المجوسِ فَفرحْنَا ( بِنَصْرِ اللهِ ) إيَّانَا علَى المشركينَ ، ونَصْر أهلِ الكتابِ علَى
المَجُوسِ ، فذلكَ قولُهُ : ( وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ ) وهو يَومُ بدر ( 1 ) .
( مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) أي : في أوَّلِ الوقْتينِ وآخرهُمَا ، حينَ غَلَبُوا وحينَ
يُغْلَبُونَ ، يعني : أنَّ كونَهُم مَغلُوبينَ أوّلا وغَالبينَ آخِراً ، ليس إلاَّ بأمرِ اللهِ وقَضائِهِ
( وَيَوْمئِذ ) ويَومَ يَغلبُ الرُّومُ فَارسَ ( يَفْرَحُ المؤمِنُونَ ) بنَصْرِ اللهِ ، وتَغليبه مَن لَه
كِتابٌ على مَن لاَ كتابَ لَه ، وقيلَ : نَصرُ اللهِ أنَّه ولَّى بَعضُ الظالمينَ بَعضاً وفَرَّقَ بين
كَلمَتِهِم ، وفي ذلكَ قُوّةٌ للإِسلامِ ( 2 ) . ( وَعْدَ اللهِ ) مَصدرٌ مؤكَّدٌ ، كقولِكَ : لَهُ عليَّ ألفُ
دِرهم اعترافاً ؛ لأنَّ مَعناهُ : اعترفَتُ لكَ بهَا اعترافاً ، وَوَعَدَ اللهُ ذلك وَعْداً لأنَّ الكلامَ
المتقدّمَ في معنى " وَعَدتم " .
ثمّ ذَمَّهُم اللهُ تعالى بأنَّهُم بُصَراءُ بأُمورِ الدنيا ، يعلمُونَ منافِعَها ومَضَارَّها ،
غافلُونَ عن أُمورِ الدِّينِ ، وعن الحَسَنِ : بَلَغَ من عِلْمِ أَحدِهِم بدُنياه أنَّه يقلِّبُ الدرهَمَ
على ظفرِهِ فيُخبرُكَ بوزنِهِ ، وما يُحْسِنُ أَن يُصلِّي ( 3 ) .
وقولُهُ : ( يَعْلَمُوْنَ ) بَدَلٌ من ( لا يَعْلَمُونَ ) ، وفي هذا الإِبدالِ إيذانٌ بأنَّ عَدَمَ
العِلْمِ الّذي هو الجَهلُ ، ووجُودَ العِلْمِ الّذي لا يَتَجاوزُ الدنيا ، مُستَويان في أنفسِهِم .
يُحتملُ أن يكونَ ظَرفَاً ، فيكونُ المعنى : أَوَلَمْ يُحدِثُوا التفكُّرَ في قُلُوبِهِم الفَارغةِ
من الفِكْرِ ؟ والتَفكُّرُ لا يكونُ إلاَّ في القُلُوبِ ولكنَّه زيادةُ تَصوير لحَالِ المتفكِّرينَ ،
كما يُقالُ : اعتقدَ في قلبِهِ ، أي : أَوَلَمْ يَتَفَكَّروا فيقُولُوا هذا القولَ أَو فَيعلَمُوا ذلكَ ؟
ويُحتملُ أن يكونَ صلةً للتفكُّرِ ، فيكونُ المعنى : أَوَلَمْ يَتَفَكَّروا في أنفسِهِم الَّتي هي
هامش
( 1 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 1 ص 163 .
( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 3 ص 467 .
( 3 ) تفسير الحسن البصري : ج 2 ص 196 .