فمعنى قَولِهِ : ( وَمَا نَحْنُ بمَسْبُوقين عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكم ) : إنَّا قَادِرُون على
ذلكَ لا تَغْلِبُونَني عليهِ ، و ( أَمْثَلُكُم ) جَمْعُ " مِثْل " ، أي : على أَن نُبدِّلَ أَمْثَالَكُم
ومَكَانَكُم أَشْبَاهَكُم من الخَلْقِ ، وعلى أَن ( نُنْشِئَكُم فِي ) خَلْق لا تَعْلَمُونَها وما
عَهدْتُمْ بِمِثْلِها ، يَعني : إِنَّا نَقْدرُ علَى الأَمْرَيْنِ جَمِيعاً : على خَلْقِ ما يُمَاثِلكُم ومَا لاَ
يُمَاثِلكُم ، فَكَيْفَ نَعْجزُ عَن إعادَتِكُم ؟ ! ويَجُوزُ أَن يكُونَ " أَمْثالُ " جَمْعَ " مَثَل " ، أي :
على أَن نُبَدِّلَ ونُغَيِّرَ صِفَاتَكُم الَّتي أَنْتُم عَلَيها في خَلْقِكُم وأَخْلاقِكُم ونُنْشِئَكُم في
صِفَات لا تَعْلَمُونَها . وقُرئَ : ( النَّشْأَةَ ) و " النَّشَآةَ " ( 1 ) .
مَا تَحْرُثُونَهُ من الطَّعامِ أي : تَبذرُونَ حَبَّهُ وتَعْمَلُونَ في أَرْضِهِ ( ءَأَنْتُمْ
تَزْرَعُونَهُ ) تُنْبِتُونَهُ وتَجْعَلُونَهُ نَباتاً يرفُّ ويُنْمى إلى أَن يَبلُغَ غايَتَهُ ؟
وفي الحديثِ : " لا يَقُولُنَّ أَحَدُكُم : زَرَعْتُ وَلْيَقُلْ : حَرَثتُ " ( 2 ) .
والْحُطامُ : ما تَحَطَّمَ وصَارَ هَشِيماً ( فَظَلْتُمْ ) أي : فَظَلَلْتُم ( تَفَكَّهُونَ ) تَتَعَجَّبُونَ
ممَّا أَصَابَكُم ، وعن الحَسَنِ : تَنْدمُونَ على تَعَبِكُم فيهِ وإنْفَاقِكُم عليهِ ، أو : على ما
اقْتَرفْتُم من المَعَاصي التي بِسَبَبِها أَصَابَكُم ذلك ( 3 ) ، وتَقُولُونَ : ( إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) أي :
مُلْزَمُونَ غَرامةَ ما أَنْفَقْنا ، أو : مُهْلَكُون لِهَلاَكِ رِزْقِنَا ، من : " الغَرَامِ " وهو الهَلاَك .
( بَلْ نَحْنُ ) قَومٌ ( مَحْرُومُونَ ) مُحَارَفُونَ مَحْدُودُونَ لاحَظَّ لَنَا وَلاَ بَخْتٌ ، وَلَوْ كُنَّا
مَجْدُودينَ ( 4 ) لَمَا أَصَابَنا هذا .
و ( الْمُزْن ) السَّحَابُ ، والأُجَاجُ : المِلْحُ الزُّعَاقُ الذي لا يُقْدَرُ على شُرْبِهِ ،
وَحُذِفَ اللاَّمُ من جَوابِ " لَوْ " هنا اخْتِصَاراً ، وهي ثابِتَةٌ في المعنى .
هامش
( 1 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 601 .
( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره : ج 11 ص 652 عن أبي هريرة وفيه : " لا تقولَنَّ " .
( 3 ) تفسير الحسن البصري : ج 2 ص 331 .
( 4 ) أي : محظوظين ، يقال : صرْت ذا جَدٍّ أي : ذا حظٍّ . ( الصحاح : مادة جدد ) .