المَعْنى : فَأُقْسِمُ ، وَ " لاَ " مَزِيَدةٌ مُؤَكِّدَةٌ ، وقَرَأَ الحَسَنُ : " فَلأُقْسِمُ " ( 1 ) ، ومعنَاهُ :
فَلأَنَا أُقْسِمُ ( بِمَوَقِعِ الْنُّجُومِ ) بمَسَاقِطِها ومَغَارِبِها ، أو : بِمَنَازِلِها ومَسَائِرِها . وقَولُهُ :
( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) اعْتِراضٌ بين القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيهِ ، وقَولُهُ : ( لَوْ
تَعْلَمُونَ ) اعْتِراضٌ في اعْتِراض ، اعْتُرِضَ بهِ بَيْنَ الموصُوفِ والصِّفَةِ ، وقيلَ :
( مَوَقِع الْنُّجُومِ ) : أَوْقَاتُ وقُوعِ نُجُومِ القُرآنِ أي : أَوقَاتُ نُزُولِها ( 2 ) ، وقُرئَ :
" بمَوْقِعِ " على الإِفْرادِ ( 3 ) لأنَّه اسْمُ جِنس يُؤَدِّي مُؤَدَّى الجَمْعِ .
( إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَريمٌ ) عنْدَ اللهِ أَكْرَمَهُ وأَعَزَّهُ ، أو : كَرِيمٌ عَامُّ المَنَافِعِ كَثيرُ الخَيْرِ
يُنَالُ الثَّوابُ العَظيمُ بِتِلاَوتِهِ والعَمَلِ بِمَا فيهِ ، أو : خَطِيرٌ مُعْجِزٌ مرْضِيٌّ في جِنْسِهِ من
الكُتُبِ . ( فِي كِتَب مَّكْنُون ) مَصُون من غَيْرِ المُقَرَّبينَ من المَلاَئكةِ ، لا يَطَّلِعُ عليهِ
مَنْ سِوَاهُم ، وَهُم الْمُطَهَّرُونَ من جَميعِ الأَدْناسِ ، إنْ جَعَلْتَ الجُمْلَةَ صِفَةً ل ( كِتب
مَّكْنُون ) وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظِ ، وإِنْ جَعَلْتَهُ صِفَةً ل ( قُرءَانٌ ) فالمَعْنى : ( لاَ يَمَسُّهُ
إلاَّ ) مَنْ هُوَ عَلَى الطَّهَارةِ من النَّاسِ ، يعني : مَسَّ المَكْتُوبِ منْهُ . ( تَنْزِيلٌ ) صِفَةٌ
أُخرى للقُرآنِ ، أي : مُنْزَلٌ ( مِنْ رَّبِّ الْعَلَمِينَ ) ، أو : وَصْفٌ بالمَصْدَرِ لأنَّه نَزَلَ
نُجُوماً من بيْنِ سَائِرِ كُتُبِ اللهِ ، فَكَأَنَّه في نَفْسِهِ تَنْزيلٌ ، ولذلكَ جَرَى مَجْرَى بَعْضِ
أَسْمائِهِ حينَ قَالُوا : نَطَقَ التَّنْزيلُ بِكذا ، وَجَاءَ في التَّنْزِيل كَذَا ، أو : هو تَنْزِيلٌ ،
على حَذْفِ المبتَدَأ .
( أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ ) يَعْني القُرآنَ ( أَنْتُمْ مُّدْهِنُونَ ) أي : مُتَهَاوَنُونَ بِهِ كَمَنْ يُدْهِنُ
في الأَمْرِ أي : يَلينُ جَانِبُهُ ولا يَتَصَلَّبُ فيهِ تَهَاوناً بهِ . ( وَتَجْعَلُون رِزْقَكُمْ ) على
حَذْفِ المُضَافِ ، أي : وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُم التَّكْذِيبَ ؟ ! والمعنى : أَوَضَعْتُم
هامش
( 1 ) حكاه عنه ابن خالويه في شواذ القرآن : ص 152 .
( 2 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 455 .
( 3 ) قرأه حمزة والكسائي . راجع كتاب السبعة : ص 624 .