عَقْلِهِ ورأْيهِ ، ومَتَانَة في دينِهِ ، وصحَّة في جسْمِهِ ( فَاسْتَوَى ) فاستَقَامَ على صُورةِ
نَفْسِهِ الحقيقيَّةِ دونَ الصُّوَرِ الَّتي كانَ يَتَمَثَّلُ بها كُلَّما هَبَطَ بالوَحْيِ ، وكانَ يأْتِيَهُ في
صُورةِ الآدميِّينَ ، فأَحَبَّ رسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يَراهُ في صُورتِهِ الَّتي جُبِلَ عليها
فاسْتَوى لَهُ . ( وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ) يَعني : أُفُقَ الشَّمْسِ فَمَلأَ الأُفُقَ ، وقيلَ : ما رَآهُ
أَحَدٌ من الأنْبياءِ في صُورتِهِ الحقيقيَّةِ غَيْرُ محمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) رَآهُ مرَّتَيْنِ : مَرَّةً في الأَرْضِ
ومَرَّةً في السَّماءِ ( 1 ) .
( ثُمَّ دَنَا ) من رسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( فَتَدَلَّى ) فَتَعَلَّقَ عليهِ في الهَوَاءِ ، وهو مَثَلٌ
في القُرْبِ . ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْن ) مِقْدَارَ قَوْسَيْن ، والقَابُ والقَيْبُ والقَادُ والقَيْدُ
والقَاسُ والقَيْسُ : المِقْدارُ ، وأَصْلُهُ : فَكَانَ مِقْدَارُ مَسَافَةِ قُرْبِهِ مِثْلَ قَابِ قَوْسَيْنِ ،
فَحُذِفَتْ هذه المُضَافَاتِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وقَد جَعَلَتْني مِنْ حَزِيمَةَ إِصْبَعَا ( 2 )
أي : ذا مِقْدَارِ مسَافَةِ إصْبَع أو أدنى مِن ذلكَ . ( فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ ) الضَّميرُ للهِِ ،
وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرٌ لاسْمِهِ سبحانَهُ لأنَّه لا يلتَبسُ ( مَآ أَوْحى ) تَفْخيمٌ للوَحْي الَّذي
أُوْحِيَ إليهِ ، و " ما " مصدريَّةٌ ، ويَجُوزُ أن يكُونَ موصُولةً ، وقيلَ : فأَوْحَى جبرائيلُ
إلى عَبْدِ اللهِ محمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما أَوْحَى اللهُ إليهِ ( 3 ) ، وقيلَ : أَوْحى إليهِ أَنَّ الجنَّةَ محرَّمَةٌ
علَى الأَنبياءِ حتَّى تَدْخُلَها أنْتَ ، وعلَى الأُمَمِ حتَّى تَدْخُلَها أُمَّتُكَ ( 4 ) .
( مَا كَذَبَ ) فُؤَادُ محمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مَا رَآهُ ببَصَرِهِ من صُورةِ جبرائيلَ ( عليه السلام ) ، أي :
هامش
( 1 ) وهو قول ابن مسعود . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 392 .
( 2 ) وصدره : فأدركَ إِبْقاءَ العَرادةِ ظَلْعُها . للكَلْحَبَة العَريني من أبيات يفخر بها على بَنِي تغلب
ورئيسهم حَزيمة بن طارق ، والعَرادَةُ : اسم فرس الكلحبة . راجع خزانة الأدب للبغدادي : ج
1 ص 388 وج 4 ص 401 .
( 3 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 446 .
( 4 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 420 .