الكتابَ المُنْزَلَ على موسى ( هُدًى ) لقَومِهِ ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أئِمَةً ) يُقْتَدى بأقْوالِهِم
وأَفعالِهِم ( يَهْدُونَ ) النَّاسَ إلى مَا في التَّوراةِ من دينِ اللهِ وشَرائعِهِ ( لِما صَبَرُواْ )
أي : لِصَبْرِهِم ، وكَذَلكَ : لَنَجْعَلَنَّ الكتابَ المُنْزَلَ إِليكَ " نُوراً وَهُدىً " وَلَنَجْعَلَنَّ بعدكَ
في أُمَّتِكَ أئمةً يهدُونَ النَّاسَ مثلَ تلكَ الهدايةِ لِما صَبَرُوا عليهِ من نُصرةِ الدِّينِ ،
وثَبتُوا عليهِ من الحقِّ اليقينِ . وقُرِئ : ( لَمَّا صَبَرُوا ) ( 1 ) ومَعناهُ : لَمَّا صَبَروا
جَعَلْناهُم أئمةً ، وعن الحَسَنِ : صَبَروا عن الدُّنيا ( 2 ) .
( إنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ) أي : يَقْضي فَيُميِّزُ المُحقَّ من المُبْطِلِ ، و ( هُو )
فَصْلٌ . ويجوزُ ذلكَ في المضارعِ لأنَّه يَشبهُ الاسمَ ، ولَو قُلْتَ : إنَّ زيداً هو فعل لم يَجْزِ .
الواو في ( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ) للعَطْفِ على مَعطُوف عليه مَنْوِيٍّ من جنْسِ
المَعطُوفِ ، وقُرِئَ بالنُّونِ ( 3 ) والياءِ ، والفَاعِلُ مَا دَلَّ عليهِ ( كَمْ أَهْلَكْنَا ) لأنَّ " كم " لا
تَقَعُ فَاعِلَةً ، وتَقديرُهُ : ( أَوَلْم يَهْدِ لَهُمْ ) كثرةَ إهلاكِنَا القُرونَ ؟ أو : هذا الكَلامُ كَمَا هو
بمضْمُونِهِ ، ومعنَاهُ كما تَقُولُ : تَعصِم " لا إلهَ إلاَّ اللهُ " الدَّمَ والْمالَ . وَيَجوزُ أَن يكونَ
فيهِ ضَميرُ " الله " بدلالةِ القِراءَةِ بالنُّونِ ، والضَّميرُ في ( لَهُمْ ) لأَهلِ مكَّة ، و ( القُرُون )
عادٌ وثَمودُ وقَومُ لوط يَمشِي أَهلُ مكَّةَ ( في مَسكِنِهِمْ ) وديارِهِم وَبلادهِمِ .
( الجُرُز ) : الأَرضُ الَّتيِ جُرِزَ نَباتُها أي : قُطِعَ ، إمَّا لِعَدمِ الماءِ وإمَّا لأنَّه رُعِيَ ،
ولا يُقَالُ للأرضِ الَّتي لا تُنْبِت : جُرُزٌ ، وَيَدلُّ عليهِ قَولُهُ : ( فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً ) والضَميرُ
في " بِهِ " للماءِ ، ( تَأكُلُ ) من الزَّرعِ ( أَنْعَامُهُمْ ) مِنْ عَصْفِهِ و ( أنْفُسُهُمْ ) مِنْ حَبِّه .
هامش
( 1 ) تقدّمت الإشارة إلى أنّ المصنّف رحمه الله قد اعتمد في تصنيفه هذا على نسخة مصحف
لغير قراءة حفص عن عاصم .
( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 3 ص 516 .
( 3 ) نسبها ابن خالويه إلى علي ( عليه السلام ) وابن عباس والسلمي . راجع مختصر شواذ القرآن : ص 119 .