( وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ) أي : شدَّتُهُ الذَاهِبَةُ بالعَقْلِ ، والباءُ في ( بِالْحَقِّ )
للتَّعديةِ ، أي : وأَحْضَرَتْ شِدَّةُ المَوتِ حقيقةَ الأَمْر من السَّعادةِ أو الشَّقَاوةِ ، وقيلَ :
بالحقِّ الذي خُلِقَ لَهُ الإِنْسانُ ( 1 ) ، ويجوزُ أَن يكُونَ الباءُ مِثْلَها في قَولِهِ : ( تَنْبُتُ
بِالْدُّهْنِ ) ( 2 ) أي : جاءَتْ ملْتَبِسَةً بالحقِّ أي : بحقيقةِ الأَمْرِ أو بالحِكْمةِ والغَرَضِ
الصحيحِ ، وقُرئ : " سَكْرَةُ الحَقِّ بالمَوْتِ " ( 3 ) ورُوي ذلك عن أئمَّتِنا ( عليهم السلام ) ( 4 ) ،
أُضِيفَتْ " السَّكْرة " إلى " الحقِّ " دلالةً على أنَّه السَّكْرةُ المكتُوبةُ على الإِنسانِ ،
وأنَّها حِكْمَةٌ ، والباءُ للتَّعديةِ ؛ لأنَّها سَبَبُ زهُوقِ الرُّوحِ لشدَّتِها ، أو : لأنَّ المَوْتَ
يَعْقُبُها ، فكأنَّها جاءَتْ بهِ ، ويجُوزُ أن يكُونَ المعنى : جاءَتْ ومَعَها المَوتُ ، وقيلَ :
سَكْرةُ الحقِّ : سَكْرةُ اللهِ أُضِيفَتْ إليهِ تَعْظيماً وتَفْظيعاً لشَأْنِها ( 5 ) ( ذلِكَ ) إشَارَةٌ إلى
المَوْتِ ، والخِطَابُ للإِنسانِ في قَولِهِ : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَنَ ) على طريقِ الالتفاتِ ،
أو : إلَى الحقِّ ، والخِطَابُ للفاجرِ ( تَحِيدُ ) أي : تَهرُبُ وتَنْفُرُ ، ( ذلِكَ ) إشَارةٌ إلى
مَصدَرِ ( نُفِخَ ) أي : وَقْتُ ذلكَ يَومُ الوَعِيدِ فَحُذِفَ المُضَاف .
( وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْس مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ( 21 ) لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَة مِّنْ
هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 ) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا
لَدَىَّ عَتِيدٌ ( 23 ) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّار عَنِيد ( 24 ) مَّنَّاع لِّلْخَيْرِ مُعْتَد
مُّرِيب ( 25 ) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ
الشَّدِيدِ ( 26 ) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضلَل
هامش
( 1 ) قاله الزجَّاج في معاني القرآن : ج 5 ص 45 .
( 2 ) المؤمنون : 20 .
( 3 ) وهي قراءة أبي بكر وابن مسعود . راجع التبيان : ج 9 ص 365 .
( 4 ) أُنظر المصدر السابق .
( 5 ) حكاه الطبري في تفسيره : ج 11 ص 418 .