( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) لأَصحابنا فيه وجْهَانِ ( 1 ) من
التأْويلِ : أَحَدُهُما : أنَّ المُرادَ : يَغْفَر لكَ ما تقدَّمَ من ذَنْبِ أُمَّتِكَ وما تَأَخَّرَ بشَفاعَتِكَ .
وحَسُنَتْ إضَافةُ ذُنُوبِ أُمَّة إليهِ للاتّصالِ بينَهُ وبينَهُم ، ويعضدُهُ ما رَواهُ المفضَّلُ بن
عُمَرَ عن الصَّادقِ ( عليه السلام ) أنَّه سُئِلَ عن هذهِ الآيةِ فَقَالَ : واللهِ ما كانَ لَهُ ذَنْبٌ ولكن اللهَ
سبحانَهُ ضَمِنَ لَهُ أَن يَغْفِرَ ذُنُوبَ شيعةِ عليٍّ ( عليه السلام ) ما تَقَدَّمَ وما تَأَخَّر .
والآخَرُ : ذكَرَهُ المرتضى ( 2 ) قدَّس الله روحَهُ : أنَّ الذَّنْبَ مصدَرٌ ، والمصدَرُ
يجوزُ إضافَتُهُ إلى الفاعلِ والمفعُولِ ، والمُرادُ هنا : ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِم إليك في
إخْراجِهِم إيَّاكَ من مكَّةَ وما تَأَخَّرَ من صدِّكَ عن المسجدِ الحرامِ ، أي : لِيَغْفِرَ ما أَذْنَبَهُ
قومُكَ إليكَ من إخْراجِكَ من مكَّةَ وصَدِّكَ عَنْها ، فالذَّنْبُ مضافٌ إلى المفعولِ هنا ،
ويُعدَّى بنفسِهِ حَمْلاً على الإِخْراجِ والصَّدِّ اللَّذَيْنِ هو في معنَاهُما ، ولذلك جَعَلَ
المغْفِرَةَ عِلَّةً للفَتْحِ وغَرَضَاً فيهِ . والمُرادُ بالمغفرةِ على هذا إزَالةُ أحْكَامِ المشْركينَ
وفَتْحُها ( 3 ) عنْهُ ، وَسَتْرُ تلك الوَصْمَةِ عليهِ بما يَفْتَحُ له من مكّةَ بأَن يدخُلَها فيما بعد ،
ولو أرادَ مَغْفِرَةَ ذنوبِهِ لم يكُنْ لِكْونِ المغفرةِ غَرَضَاً في الفَتْحِ معنىً ( وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكَ ) في الدُّنيا بإعْلاءِ أَمْرِكَ وإظْهارِكَ على الدِّين كلِّهِ وبَقَاءِ شريعتِكَ ، وفي
الآخرةِ بِرَفْعِ محلِّكَ ( وَيَهْدِيَكَ صِرَطاً مُسْتَقِيماً ) ويُرشِدُكَ طريقاً يؤَدِّي سالِكَهُ
إلى الجنَّةِ ويثبِّتُكَ عليها . ( وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً ) تَمتَنعُ بِهِ من كلِّ جبَّار عَنيد ،
وَصَفَ النَّصر بالعزيزِ لأنَّ فيه العزَّةَ والمِنْعَةَ ، أو : يعني عزيزاً صاحِبُهُ ، أو : وَصَفَهُ بصِفَةِ
المنصورِ إسناداً مجازيَّاً .
هامش
( 1 ) حكاهما الشيخ الطوسي في التبيان : ج 9 ص 314 .
( 2 ) في كتاب تنزيه الأنبياء : ص 118 .
( 3 ) في نسخة : " ونسخها " .