( السَّكِينَة ) السُّكُونُ ، أي : أَنْزَلَ اللهُ السكُونَ ( فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ )
والطُمَأْنينةَ بسببِ الصُّلْحِ والأَمْنِ ، ليَعْرفُوا فَضْلَ اللهِ عليهِم بتَيْسيرِ الأَمْنِ بعد الخَوفِ
فيزدادُوا يَقيناً إلى يقينِهِم بما يَرونَ من الفُتُوحِ وعُلُوِّ كلمةِ الإِسلامِ وفْقَ ما وُعِدُوا
( وَللهِِ جُنُودُ السَّموَتِ وَالأْرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ) يُسلِّطُ بعضَها على بعض
على ما يقْتَضيهُ علْمُهُ وحكْمَتُه . ومن قضيَّتِهِ أَن سَكَّنَ قُلُوبَ المؤمنين بصُلْحِ
الحديبيَّة ، وَوَعَدَهُم أَن يفْتَحَ لهم مكَّةَ لِيَعْرِفَ المؤمنونَ نعمةَ اللهِ في ذلك ويشْكُروها
فَيثيبُهُم . ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ ) والكافرينَ .
ومعنى ( ظَنَّ السَّوْءِ ) : أنَّ الله لا يَنْصُر الرسولَ والمؤْمنينَ ولا يُرجِعُهُم إلى
مكَّةَ ظافرينَ فاتحينَ إيَّاها ، والسَّوْءُ : عبارةٌ عن رَدَاءَةِ الشيء وفَسَادِهِ ، كما يَقَعُ
الصِّدْقُ عبارةً عن جَوْدَةِ الشيء وصَلاحِهِ ( عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ الْسَّوْءِ ) أي : ما يظنُّونَهُ
ويتربَّصُونَهُ بالمؤمنين فهو دَائِرٌ عليهم ، حَائِقٌ بِهِم ، وهو الهَلاكُ والدَّمارُ ، وقُرئ :
( دَآئِرَةُ السّوْءِ ) بفَتْحِ السِّينِ وضمِّها ( 1 ) وهما لغتانِ من " سَاءَ " كالْكَرْهِ والْكُره ،
والضَّعْفِ والضُّعْفِ ، إلاَّ أنَّ المفتُوحَ غَلبَ في أن يُضافَ إليهِ ما يُرادُ ضَمُّهُ من كلِّ
شيء ، والمَضْمُومَ جار مجرى الشرِّ الذي هو نَقيضُ الخَيْرِ ، يقَالُ : أَرادَ بِهِ السُّوءَ ، :
وأرادَ بِهِ الخَيْرَ ، ولذلك أُضيفَ " الظَّنّ " إلى المفتُوحِ لكونِهِ مذْمُوماً ، وكانَتِ
" الدائرةُ " محمودةً فكانَ حقُّها أَن لا تُضَافَ إليهِ إلاَّ على التأْويلِ الذي ذكرنَاهُ
( وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ) بأَن أَبْعَدَهُم من رحمتِهِ .
وكَرَّرَ قَولَهُ : ( وَللهِِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ ) لأنَّ الأوَّلَ اتَّصلَ بذِكْرِ
المؤْمنينَ ، أي : فَلهُ الجنودُ التي يَقْدِرُ على أن يُعينَهم بها ، والثَّاني اتَّصلَ بذِكْرِ
هامش
( 1 ) وبالضمّ قرأه ابن كثير وأبو عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 603 .