أو : هو كَمَا تقُولُ : أعْلَمَ المَلِكَ أَنَّه كانَ كيتَ وكيتَ ، وعلَّق ( مَا مِنَّا مِن شَهِيد ) معنَى
الإِعْلامِ ؛ لأنَّ النَّفْيَ لَهُ حُكْمُ الاستفهامِ في أنَّ لَهُ صَدْرَ الكلامِ . وكَذَا قَولُهُ : ( وَظَنُّواْ
مَا لَهُمْ مِّنْ مَحِيص ) والمعنى : عَلِمُوا أَن لا مَخْلَصَ لَهُم من عَذَابِ اللهِ ، عَبَّرَ بالظَنِّ
عن العِلْم .
( مِنْ دُعَآءِ الخَيْرِ ) من طَلَبِ السِّعَةِ في المالِ والصحَّةِ ( وَإنْ مَسَّهُ ) البَلاءُ
والشدَّةُ ( فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ) شَديدُ اليأْسِ مَقْطُوعُ الرَّجاءِ من فَضْلِ اللهِ ورَوْحِهِ ، وهذهِ
صِفَةُ الكافرِ بدلالةِ قَولِهِ : ( وَلا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ القَوْم الكَافِرونَ ) ( 1 ) .
( لَيَقُولَنَّ هذَا لِىِ ) أي : هذا حقِّي وَصَلَ إِليَّ ، لأنَّي استَوجَبْتَهُ بما عِنْدي من
فَضْل ، أو : هذا لي دائِمَاً أَبَداً ( وَمَا أَظُنُّ الْسَّاعَةَ قَائِمَةً ) كائِنَةً ( وَلَئِنْ رُّجِعْتُ إلَى
رَبِّى ) على ما يقُولُهُ المسلمُونَ ( إِنَّ لِى عِنْدَهُ ) الحالَةَ الحُسْنَى وهي الجنَّةُ ، أي :
سيُعطِيني في الآخرةِ مثْلَ ما أَعْطاني في الدُّنيا .
( فَذُو دُعَآء عَرِيض ) استَعَارَ العَرْضَ لكثْرةِ الدُّعاءِ ودَوَامِهِ كَمَا استَعَارَ الغِلَظَ
لشدَّةِ العَذَابِ . وقُرئ : " وَنأِى " بإمالةِ الأَلْفِ وَكَسْرِ النونِ ( 2 ) ، " وَنَآءَ " ( 3 ) على
القَلْبِ كَمَا قيلَ : " راءَ " في " رأى " ، ويُريدُ ( بِجَانِبِهِ ) نفسَهُ وذاتَهُ ، فكأنَّهُ قالَ : ونأى
بنَفْسِهِ ، أو يريدُ ( بِجَانِبِه ) عِطْفَهُ ، ومعنَاهُ : انحَرَفَ وازْوَرَّ ، كما قيلَ : ثَنَى عِطْفَهُ ( 4 ) ،
وَ ( تَوَلَّى بِرُكْنِهِ ) ( 5 ) .
( أرَءَيْتُم ) أَخبِرُوني ( إنْ كَانَ ) القُرآنُ ( مِنْ عِندِ اللهِ ) وَقَدْ ( كَفَرْتُمْ بِهِ ) وكانَ
هامش
( 1 ) يوسف : 87 .
( 2 ) قرأه الكسائي وحمزة برواية خلف عنه . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 577 .
( 3 ) وهي قراءة ابن عامر برواية ابن ذكوان عنه . راجع المصدر السابق .
( 4 ) أي : أَعْرضَ عنك .
( 5 ) الذاريات : 39 .