ومنْبَعَهُما ، كما قَالَ سبحانَهُ : ( فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) ( 1 ) ، والإِثمُ هو الجملةُ ، أو يكونُ على
حَذْفِ المضافِ أي : على كلِّ ذي قَلْب ( مُتَكَبِّر ) ، ومَنْ قَرأَ على الإِضافةِ فالمعنى :
يَطْبَعُ اللهُ علَى القلوبِ إذا كانَتْ قَلْباً من كلِّ متكبِّر ، وحُذِفَ " كُلُّ " لتقدُّمِ ذِكْرِهِ
كما جاءَ في المَثَلِ : " ما كلُّ سوداءَ تَمرة ولا بيضاءَ شَحْمَةٌ " ( 2 ) فحُذِفَ " كُلُّ " لتقدُّمِ
ذِكْرِهِ .
والصَّرْحُ : البناءُ الظاهِرُ الّذي لا يَخفى علَى النَّاظِر وإنْ بَعُدَ ، مِنْ صَرَحَ الشيءُ
إذا ظَهَرَ ، وهَامَانُ : وزيرُ فِرْعَونَ وصَاحِبُ أَمرِهِ ، وأَسْبَابُ السَّماوَاتِ : طُرقُها
وأَبوابها وما يؤدِّي إليها ، وكلُّ ما أَوصَلَكَ إلى شيء فهو سَبَبٌ إليهِ كالرشَاءِ ونَحوِهِ .
وفائدةُ التكرير أنَّه لمَّا أَرادَ تَفْخيمَ ما أُمِّلَ بلُوغُهُ من أسبابِ السَّماواتِ أَبْهَمَهَا ثمّ
أَوْضَحَها ( فَأَطَّلِعَ ) قُرِئ بالرَّفعِ ( 3 ) والنَّصْبِ ، للعَطْفِ على ( أَبْلُغُ ) ، والنَّصْبُ على
جَوابِ التَرجِّي تَشْبيهاً للتَرجِّي بالتَمنِّي ( وكَذلِكَ ) أي : ومثْلُ ذلكَ التَزيين وذلكَ
الصَّدِّ ( زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عن السَّبِيلِ ) ، وقُرِئ : " صَدَّ " على البناءِ
للفاعلِ ( 4 ) بمعنى : أَنَّه صَدَّ نفسَهُ أو صَدَّ غَيرَهُ ( وَمَا كيْدُ فِرْعَوْنَ ) في إِبْطالِ آياتِ
موسى ( عليه السلام ) ( إِلاَّ فِي تَبَاب ) أي : خَسَار لا يَنْفَعُهُ .
ثمَّ عادَ إلى ذِكْر نصيحةِ مؤمنِ آلِ فِرْعَونَ فأَجْمَلَ لَهُم بأَنْ قَالَ : ( أَهْدِكُمْ سَبِيلَ
الرَّشَادِ ) ، ثمَّ فَسَّرَ فافتَتحَ بذمِّ الدنيا وتَحقيرِ شأْنِها ، لأنَّ الرُّكُونَ إليها أَصْلٌ لكلِّ شَرٍّ
وإِثْم ، وَجَالِبٌ لِسَخَطِ اللهِ وعقَابه ، ثمَّ ثنَّى بتعظيمِ الآخرةِ فإنَّها ( دَارُ الْقَرَارِ )
هامش
( 1 ) البقرة : 283 .
( 2 ) انظر مجمع الأمثال للميداني : ج 2 ص 236 .
( 3 ) قرأه عاصم برواية أبي بكر عنه . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 570 .
( 4 ) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر . راجع المصدر السابق .