جَميعَاً ( بِفَتِنِينَ ) علَى اللهِ ، أي : لَسْتُمْ تَفْتنُونَ على اللهِ أَحَداً بإغْوائِكُم
واسِتهْزَائِكم ( 1 ) ، من قَولِكَ : فَتَنَ فلانٌ على فلان امرأتَهُ إذا أَفْسَدَهَا عليهِ ( إلاَّ مَنْ
هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ) أي : إلاَّ مَنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّه يستوجبُ صَلْيَ الجحيمِ بسُوءِ
أَعمالِهِ . ويُحْتَمَلُ أَن يكُونَ الواو في ( وَمَا تَعْبُدُونَ ) بمعنى : " مع " ، فيجوزُ
السُّكُوتُ على : ( وَمَا تَعْبُدُونَ ) ، كَمَا يَجُوزُ السُّكُوتُ على قَولِكِ : كلُّ رجل
وَضيعَتِهِ ، فيكونُ المعنى : فإنَّكُم مع مَعْبُوديكُم ، أي : فإنَّكُم قُرَنَاؤُهم . والضَّميرُ في
( عَلَيْهِ ) ل ( مَا تَعْبُدُونَ ) ، أي : فَمَا أَنْتُم على ما تعبُدُونَ ( بِفَتِنيِنَ ) بِبَاعِثِينَ ، أي :
حَاملينَ على طريقِ الفتنةِ والإِضْلاَلِ ( إلاَّ مَنْ ) يَصْلَى ( الْجَحِيم ) بِسوءِ اختيارِهِ ،
وَيَحتَرِقُ بها مِثْلُكُمْ ( وَمَا مِنَّآ إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ) أي : وَمَا مِنَّا مَلَكٌ ، فحُذِفَ
الموصُوفُ وأُقيمَ الصِّفَةُ مقَامَهُ ، كقَولِهِ :
أَنَا ابنُ جَلاَ وَطَلاَّعُ الثَنَايَا ( 2 )
أي : مَقَامٌ معلُومٌ في السَّمواتِ يَعْبُدُ اللهَ فيهِ ، أو : مَقَامٌ في العبادةِ والانتهاءِ إلى
أَمْرِ اللهِ لا يتَجَاوَزُ ما أُمِرَ بِهِ ورُتِّبَ لَهُ ، كَمَا رُويَ : فَمِنْهُم سجُودٌ لا يَركَعُونَ ، وركُوعٌ
لا يَنْتَصِبُونَ ، وَصَافُّونَ لا يَتَزَايلُونَ . ( لَنَحْنُ الْصَّآفُّونَ ) نَصُفُّ أقدامَنَا في الصلاةِ ،
أَو أَجْنِحَتَنَا حَولَ العرشِ داعينَ للمؤْمنينَ ، أَو في الهَواءِ منْتَظرينَ أَمْر اللهِ ، وقيل : إنَّ
المسلمينَ إنَّما اصطَفُّوا في الصَّلاةِ منذُ نَزَلَتْ هذه الآية ( 3 ) وليسَ يَصْطَفُّ أَحَدٌ من
أهلِ المِلَلِ في صلاتِهِم غيرِ المسلمين . و ( الْمُسَبِّحُونَ ) : المُصَلُّونَ ، أو المُنزِّهُونَ .
هامش
( 1 ) في نسخة : " واستهوائكم " .
( 2 ) وعجزه : متى أَضع العِمامةَ تعرفُوني . اختلف في قائله فقيل : لسُحيم بن وثيل الرياحي ،
وقيل : لمثقب وقيل لغيرهما . راجع خزانة الأدب للبغدادي : ج 1 ص 255 وما بعده . وقد
تقدّم شرحه في ج 2 ص 91 .
( 3 ) وهو قول أبي مالك . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 72 .