فيكون المعنى : نزله باللسان العربي لتنذر به ، لأنه لو نزله باللسان الأعجمي وقالوا :
ما نصنع بما لا نفهمه ؟ فيتعذر الإنذار . وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي
لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه وتفهمه قومك ، ولو كان
أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك ، فكنت تسمع أجراس حروف ولا تفهم
معانيها ولا تعيها . * ( وإنه ) * يعني القرآن * ( لفي زبر الأولين ) * يعني : ذكره مثبت في
سائر الكتب السماوية على وجه البشارة به وبمحمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وقيل : إن معانيه من
الدعاء إلى التوحيد وغيره فيها ( 1 ) .
وقرئ : * ( أولم يكن ) * بالتذكير و * ( آية ) * بالنصب على أنها خبره و * ( أن
يعلمه ) * هو الاسم ، وقرئ : " تكن " بالتأنيث و " آية " بالرفع ( 2 ) على أن في " تكن "
ضمير القصة و " آية " خبر المبتدأ الذي هو * ( أن يعلمه ) * ، والجملة خبر " كان " ،
والمعنى : ألم يكن علم علماء بني إسرائيل بمجيئه دلالة لهم على صحة نبوته ، وهم
عبد الله بن سلام وغيره ، كما قال سبحانه : * ( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق
من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ) * ( 3 ) .
والأعجم الذي لا يفصح ، يقال : في لسانه عجمة واستعجام . * ( كذلك
سلكنه ) * أي : كما أنزلنا القرآن عربيا مبينا أدخلناه وأوقعناه * ( في قلوب ) *
الكافرين بأن قرأه رسولنا عليهم . ثم أسند ترك الإيمان إليهم بقوله : * ( لا يؤمنون
به ) * ولا يزالون على التكذيب والجحود به حتى يعاينوا الوعيد ويروا العذاب ،
فيلحق بهم * ( بغتة ) * أي : مفاجأة * ( وهم لا يشعرون ) * بمجيئه . * ( أفبعذابنا
يستعجلون ) * تبكيت لهم وتوبيخ .
هامش
( 1 ) حكاه الزمخشري في الكشاف : ج 3 ص 335 .
( 2 ) وهي قراءة ابن عامر . راجع التبيان : ج 8 ص 61 .
( 3 ) القصص : 53 .