كانوا يستعجلون عذاب الله ويقولون : * ( متى هذا الوعد ) * ، فأراد الله سبحانه
نهيهم عن الاستعجال فقدم أولا ذم * ( الانسان ) * على العجلة وأنه مطبوع عليها ، ثم
نهاهم وزجرهم ، فكأنه قال : ليس ببدع منكم أن تستعجلوا ، فإنكم مجبولون على
ذلك وهو سجيتكم ، وعن ابن عباس : أنه أراد بالإنسان آدم ، إنه لما بلغ الروح
صدره أراد أن يقوم ( 1 ) ، والظاهر أن المراد به الجنس ، وقيل : العجل : الطين بلغة
حمير ( 2 ) واستشهد بقول شاعرهم :
والنبع ينبت بين الصخر صاخية * والنخل ينبت بين الماء والعجل ( 3 )
وجواب * ( لو ) * محذوف أي : لو علموا لما قاموا على الكفر ولما استعجلوا ،
و * ( حين ) * مفعول * ( يعلم ) * ، أي : * ( لو يعلم الذين كفروا ) * الوقت الذي يستعجلون
عنه بقولهم : متى هذا الوعد ، وهو وقت صعب يحيط بهم فيه * ( النار ) * من ورائهم
وقدامهم ، فلا يقدرون على رفعها من نفوسهم ، ولا يجدون ناصرا ينصرهم ، لما
كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء ، ويجوز أن يكون * ( يعلم ) * متروكا بلا
تعدية بمعنى : لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين ، ويكون
* ( حين ) * منصوبا بمضمر ، أي : * ( حين لا يكفون عن وجوههم النار ) * يعلمون أنهم
كانوا على الباطل . * ( بل ) * تفجأهم الساعة أو النار التي وعدوا بها فتغلبهم ، ويقال
هامش
( 1 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 3 ص 117 .
( 2 ) قاله أبو عبيد على ما حكاه عنه الرازي في تفسيره : ج 22 ص 172 .
( 3 ) لم نعثر على اسم الشاعر الحميري فيما توفرت لدينا من مصادر ، وروي صدره :
والنبع في الصخرة الصماء منبته
يقول : النبع - وهو شجر تتخذ منه القسي - إنما نباته بين الصخور الصلبة لا في غيرها ،
بينما النخل ينبت في الأرض الرخوة اللينة والريانة ، فهو بين الماء والطين ، والظاهر هما
كناية على الصعب البخيل والسهل الجواد ، أو على الشجاع والجبان لشدة الأول ورخاوة
الثاني . انظر شرح شواهد الكشاف للأفندي : ص 201 .