والضمير في * ( نسلكه ) * للذكر ، وسلكت الخيط في الإبرة وأسلكته : أدخلته
فيها ونظمته ، أي : مثل ذلك السلك ونحوه نسلك الذكر * ( في قلوب المجرمين ) * ،
على معنى : أنه يلقيه في قلوبهم مكذبا به غير مقبول ، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم
يجبك إليها تقول : كذلك أنزلها باللئام ، يعني : هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية .
و * ( لا يؤمنون به ) * في محل النصب على الحال أي : غير مؤمنين به ، أو هو بيان
لقوله : * ( كذلك نسلكه ) * ، * ( وقد خلت سنة الأولين ) * أي : طريقتهم التي سنها الله
في إهلاكهم حين كذبوا رسلهم ، وهو وعيد .
وقرئ : * ( يعرجون ) * بضم الراء وكسرها ( 1 ) ، و * ( سكرت ) * بالتثقيل
والتخفيف ( 2 ) ، والمعنى : حبست عن الإبصار ، من السكر أو السكر ، أي : كما
يحبس النهر من الجري ، يريد : أن هؤلاء المشركين بلغ من عنادهم أن لو فتح لهم
باب من أبواب السماء ، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها لقالوا : هو شئ خيل
إلينا على غير حقيقة ، بل قالوا : قد سحرنا محمد - ( صلى الله عليه وآله ) - بذلك ، وقيل : الضمير
للملائكة ( 3 ) ، أي : لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانا * ( لقالوا ) * ذلك ،
وذكر " ظلوا " ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرونه ، وقال :
* ( إنما ) * ليدل على أنهم يقطعون بأن ذلك ليس إلا تسكيرا لأبصارهم .
* ( من استرق ) * في محل النصب على الاستثناء . عن ابن عباس : أنهم كانوا
لا يحجبون عن السماوات ، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد
محمد ( صلى الله عليه وآله ) منعوا من السماوات كلها ( 4 ) . * ( شهاب مبين ) * أي : ظاهر للمبصرين .
هامش
( 1 ) والقراءة بالكسر هي قراءة الأعمش وابن أبي الزناد وعيسى . راجع شواذ القرآن لابن
خالويه : ص 74 .
( 2 ) وبالتخفيف قرأه ابن كثير وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 366 .
( 3 ) قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج والضحاك . راجع تفسير الطبري : ج 7 ص 496 .
( 4 ) حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 3 ص 45 .