وشريعته السامية وجماعة أمته الواحدة ، وحفظ رموزه وأعيانه وأعلامه ،
ليستمروا على أداء رسالته الكريمة ، دون مجرد الخوف على الأموال والأعراض
وحتى الدماء ، مع أهميتها ومزيد عناية الشارع بها ، إلا أن أصل وجود الإسلام
وجماعة الأمة ، أهم ، لأنه يؤلف أصل وجود الدين وبيضته ، ولذلك نجد التضحيات
العظيمة في كل شئ تكون رخيصة عندما يتعرض هذا الأصل للخطر ، ويكون
حفظه من أهم الواجبات وأعز الأمور ، حتى من شخص الإمام المعصوم عليه السلام وخيرة
الأصحاب والأتباع .
وقد استدللنا على هذه النظرية في بعض بحوثنا الفقهية .
الوجه الثاني : أن الإمام عليه السلام في مسألة الإرث ، نفى أن يكون " أعطى من
جراب النورة " وقال : " ما أعطيتك من جراب النورة " وفي الروايات الأخرى : " ما
اتقيتك . . . " وهذا يقتضي أن يكون ما صدر من الإمام من الحكم الأول ليس " تقية "
أي : لم يكن موافقا لحكم العامة ، وهو كذلك ، إذ ما ذكره الإمام أولا إنما هو إعطاء
نصف المال للبنت ، وهذا بمجرده ليس رأيا خاصا للعامة في المسألة ، وإنما هم
يحكمون بإعطاء النصف الثاني لغير البنت من الموالي أو العصبة ، وهذا ما سكت عنه
الإمام في البداية ، ففهم الأصحاب منه أن النصف الثاني لابد أن يكون لغير البنت
من العصبة أو الموالي ، لعدم إمكان خلوه من المالك .
لكن سكوت الإمام وإن كان يوهم ذلك ابتداء إلا أنه ليس صريحا في ذلك ، بل
هو أعم منه ، ومن كونه للبنت أيضا ، إلا أن الإمام أخر بيان هذا ، من جهة حفظ كرامة
الراوي من محاسبة العصبة أو الموالي ، لو عرفوا الأمر ، وطالبوه بالنصف الاخر
وهذا التأخير في البيان ، لا يسمى تقية في المصطلح الفقهي ، نعم هو تقية
عملية ، وحفظ كيان الراوي السائل ، فليس في الأمر تشبيه ، ولا تلبيس شئ على
أحد ، ولا من أحد .
وأما قول الأصحاب بأنه " أعطاه من جراب النورة " أو " اتقاه " فهو من جهة
جراب النورة بين اللغة والاصطلاح — صفحة 32
مساهمون: السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
ص٣٢