الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في
قول الله : ويل لكل همزة لمزة قال : ليست بخاصة لاحد .
والصواب من القول في ذلك : أن يقال : إن الله عم بالقول كل همزة لمزة ، كل من
كان بالصفة التي وصف هذا الموصوف بها ، سبيله سبيله كائنا من كان من الناس .
وقوله : الذي جمع مالا وعدده يقول : الذي جمع مالا وأحصى عدده ، ولم ينفقه
في سبيل الله ، ولم يؤد حق الله فيه ، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه .
واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه من قراء أهل المدينة أبو جعفر ، وعامة قراء
الكوفة سوى عاصم : جمع بالتشديد ، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والحجاز ، سوى أبي
جعفر وعامة قراء البصرة ، ومن الكوفة عاصم ، جمع بالتخفيف ، وكلهم مجمعون على
تشديد الدال من عدده ، على الوجه الذي ذكرت من تأويله . وقد ذكر عن بعض
المتقدمين بإسناد غير ثابت ، أنه قرأه : جمع مالا وعدده بتخفيف الدال ، بمعنى : جمع
مالا ، وجمع عشيرته وعدده . هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها ، بخلافها قراءة الأمصار ،
وخروجها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك .
وأما قوله : جمع مالا فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان ، لأنهما قراءتان
معروفتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب .
وقوله : يحسب أن ماله أخلده يقول : يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه ،
وبخل بإنفاقه ، مخلده في الدنيا ، فمزيل عنه الموت . وقيل : أخلده ، والمعنى : يخلده ،
كما يقال للرجل الذي يأتي الامر الذي يكون سببا لهلاكه : عطب والله فلان ، وهلك والله
فلان ، بمعنى : أنه يعطب من فعله ذلك ، ولما يهلك بعد ولم يعطب وكالرجل يأتي
الموبقة من الذنوب : دخل والله فلان النار .
وقوله : كلا يقول تعالى ذكره : ما ذلك كما ظن ، ليس ماله مخلده ، ثم أخبر جل
ثناؤه أنه هالك ومعذب على أفعاله ومعاصيه ، التي كان يأتيها في الدنيا ، فقال جل ثناؤه :
لينبذن في الحطمة : يقول : ليقذفن يوم القيامة في الحطمة ، والحطمة : اسم من أسماء
النار ، كما قيل لها : جهنم وسقر ولظى ، وأحسبها سميت بذلك لحطمها كل ما ألقي فيها ،
كما يقال للرجل الأكول : الحطمة .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 377
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٧٧