* ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم
أموالكم * إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ) * .
يقول تعالى ذكره : حاضا عباده المؤمنين على جهاد أعدائه ، والنفقة في سبيله ، وبذل
مهجتهم في قتال أهل الكفر به : قاتلوا أيها المؤمنون أعداء الله وأعداءكم من أهل الكفر ،
ولا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك قتالهم ، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو ، إلا ما كان منها
لله من عمل في سبيله ، وطلب رضاه . فأما ما عدا ذلك فإنما هو لعب ولهو ، يضمحل
فيذهب ويندرس فيمر ، أو إثم يبقى على صاحبه عاره وخزيه وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم
أجوركم يقول : وإن تعملوا في هذه الدنيا التي ما كان فيها مما هو لها ، فلعب ولهو ،
فتؤمنوا به وتتقوه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه ، وهو الذي يبقى لكم منها ، ولا يبطل
بطول اللهو واللعب ، ثم يؤتكم ربكم عليه أجوركم ، فيعوضكم منه ما هو خير لكم منه يوم
فقركم ، وحاجتكم إلى أعمالكم ولا يسألكم أموالكم يقول : ولا يسألكم ربكم
أموالكم ، ولكنه يكلفكم توحيده ، وخلع ما سواه من الأنداد ، وإفراد الألوهية والطاعة له
إن يسألكموها : يقول جل ثناؤه : إن يسألكم ربكم أموالكم فيحفكم يقول :
فيجهدكم بالمسألة ، ويلح عليكم بطلبها منكم فيلحف ، تبخلوا : يقول : تبخلوا بها
وتمنعوها إياه ، ضنا منكم بها ، ولكنه علم ذلك منكم ، ومن ضيق أنفسكم فلم يسألكموها .
وقوله : ويخرج أضغانكم يقول : ويخرج جل ثناؤه لو سألكم أموالكم بمسألته
ذلك منكم أضغانكم قال : قد علم الله أن في مسألته المال خروج الأضغان .
24333 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فيحفكم تبخلوا قال : الاحفاء : أن تأخذ كل شئ بيديك .
القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل
فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما
غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) * .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — Page 84
Contributors: محمد بن جرير الطبري
P.84