قد نالهم من قومهم ما قد علمت ، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به ؟ قيل : إن لقوله :
إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا وجهين كلاهما صحيح معناه . أحدهما أن
يكون معناه : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائناهم على من كذبنا
وإظفارنا بهم ، حتى يقهروهم غلبة ، ويذلوهم بالظفر ذلة ، كالذي فعل من ذلك بداود
وسليمان ، فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر ، وكالذي فعل بمحمد ( ص )
بإظهاره على من كذبه من قومه ، وإما بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل
ممن كذبهم وعاداهم ، كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه ، من تغريق قومه وإنجائه منهم ،
وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه ، إذ أهلكهم غرقا ، ونجى موسى ومن آمن به من بني
إسرائيل وغيرهم ونحو ذلك ، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من
بعد مهلكهم ، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه ، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى
انتصرنا بهم من قتلته ، وكفعلنا بقتلة يحيى ، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من
قتله له وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم ، فهذا أحد وجهيه .
وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه . ذكر من قال ذلك :
23430 حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن الفضل ، قال : ثنا أسباط ،
عن السدي قول الله : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا قد كانت الأنبياء
والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون ، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء
والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم .
والوجه الآخر : أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل
والمؤمنين ، والمراد واحد ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : إنا لننصر رسولنا محمدا ( ص )
والذين آمنوا به في الحياة الدنيا ، ويوم يقود الاشهاد ، كما بينا فيما مضى أن العرب تخرج
الخبر بلفظ الجميع ، والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصا بعينه .
واختلفت القراء في قراءة قوله : ويوم يقوم الاشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة ويوم يقوم بالياء . وينفع أيضا بالياء ، وقرأ ذلك
بعض أهل مكة وبعض قراء البصرة : تقوم بالتاء ، وتنفع بالتاء .
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ
القارئ فمصيب .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 94
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٩٤