من السجود ، لأبيكم آدم ، حسدا منه له ، على ما كان الله أعطاه من الكرامة ، وغروره إياه ،
حتى أخرجه وزوجته من الجنة .
وقوله : وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم يقول : وألم أعهد إليكم أن اعبدوني دون
كل ما سواي من الآلهة والأنداد ، وإياي فأطيعوا ، فإن إخلاص عبادتي ، وإفراد طاعتي ،
ومعصية الشيطان ، هو الدين الصحيح ، والطريق المستقيم . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون * هذه جهنم التي كنتم
توعدون * اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ) * .
يعني تعالى ذكره بقوله : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا : ولقد صد الشيطان منكم
خلقا كثيرا عن طاعتي ، وإفرادي بالألوهة حتى عبدوه ، واتخذوا من دوني آلهة يعبدونها ،
كما :
22366 حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني
الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ولقد
أضل منكم جبلا قال : خلقا .
واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين جبلا
بكسر الجيم وتشديد اللام ، وكان بعض المكيين وعامة قراء الكوفة يقرؤونه : جبلا بضم
الجيم والباء وتخفيف اللام . وكان بعض قراء البصرة يقرؤه : جبلا بضم الجيم وتسكين
الباء ، وكل هذه لغات معروفات ، غير أني لا أحب القراءة في ذلك إلا بإحدى القراءتين
اللتين إحداهما بكسر الجيم وتشديد اللام ، والأخرى : ضم الجيم والباء وتخفيف اللام ،
لان ذلك هو القراءة التي عليها عامة قراء الأمصار .
وقوله : أفلم تكونوا تعقلون يقول : أفلم تكونوا تعقلون أيها المشركون ، إذ أطعتم
الشيطان في عبادة غير الله ، أنه لا ينبغي لكم أن تطيعوا عدوكم وعدو الله ، وتعبدوا غير الله .
وقوله : هذه جهنم التي كنتم توعدون يقول : هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا
على كفركم بالله ، وتكذيبكم رسله ، فكنتم بها تكذبون . وقيل : إن جهنم أول باب من
أبواب النار . وقوله : اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون يقول : احترقوا بها اليوم وردوها
يعني باليوم : يوم القيامة بما كنتم تكفرون : يقول : بما كنتم تجحدونها في الدنيا ،
وتكذبون بها . القول في تأويل قوله تعالى :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 29
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٩