الاستفهام ، وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة ، وبعض قراء مكة بوصل الألف من الأشرار :
اتخذناهم . وقد بينا فيما مضى قبل ، أن كل استفهام كان بمعنى التعجب والتوبيخ ، فإن
العرب تستفهم فيه أحيانا ، وتخرجه على وجه الخبر أحيانا .
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالوصل على غير وجه الاستفهام ،
لتقدم الاستفهام قبل ذلك في قوله : ما لنا لا نرى رجالا كنا فيصير قوله : اتخذناهم
بالخبر أولى وإن كان للاستفهام وجه مفهوم لما وصفت قبل من أنه بمعنى التعجب .
وإذ كان الصواب من القراءة في ذلك ما اخترنا لما وصفنا ، فمعنى الكلام : وقال
الطاغون : ما لنا لا نرى سلمان وبلالا وخبابا الذين كنا نعدهم في الدنيا أشرارا ، اتخذناهم
فيها سخريا نهزأ بهم فيها معنا اليوم في النار ؟ .
وكان بعض أهل العلم بالعربية من أهل البصرة يقول : من كسر السين من السخري ،
فإنه يريد به الهزء ، يريد يسخر به ، ومن ضمها فإنه يجعله من السخرة ، يستسخرونهم :
يستذلونهم ، أزاغت عنهم أبصارنا وهم معنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
23089 حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد اتخذناهم
سخريا أم زاغت عنهم الابصار يقول : أهم في النار لا نعرف مكانهم ؟ .
23090 وحدثت عن المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك وقالوا ما لنا لا نرى
رجالا كنا نعدهم من الأشرار قال : هم قوم كانوا يسخرون من محمد وأصحابه ، فانطلق به
وبأصحابه إلى الجنة وذهب بهم إلى النار فقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من
الأشرار اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار يقولون : أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري
أين هم ؟ .
23091 حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني
الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
اتخذناهم سخريا قال : أخطأناهم أم زاغت عنهم الابصار ولا نراهم ؟ .
23092 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وقالوا ما
لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار قال : فقدوا أهل الجنة اتخذناهم سخريا في ا
لدنيا أم زاغت عنهم الابصار وهم معناه في النار .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 216
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢١٦