تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
ذلك قوله ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا فكان معلوما ، إذ كان معنى الميراث إنما هو انتقال معنى من قوم إلى آخرين ، ولم تكن أمة على عهد نبينا ( ص ) انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته ، أن ذلك معناه . وإذ كان ذلك كذلك ، فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته وأما الظالم لنفسه ، فإنه لان يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر ، وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله : جنات عدن يدخلونها فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة . فإن قال قائل : فإن قوله يدخلونها إنما عنى به المقتصد والسابق قيل له : وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل ؟ فإن قال : قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الايمان وعيد قيل : إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار ، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن ، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا ، وظلمه نفسه فيها بالنار ، أو بما شاء من عقابه ، ثم يدخله الجنة ، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله جنات عدن يدخلونها . وقد روي عن رسول الله ( ص ) بنحو الذي قلنا في ذلك أخبار ، وإن كان في أسانيدها نظر ، مع دليل الكتاب على صحته على النحو الذي بينت . ذكر الرواية الواردة بذلك : 22185 حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا سفيان عن الأعمش ، قال : ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد ، فجلس إلى جنب أبي الدرداء ، فقال : اللهم آنس وحشتي ، وارحم غربتي ، ويسر لي جليسا صالحا ، فقال أبو الدرداء : لئن كنت صادقا لأنا أسعد به منك سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله ( ص ) لم أحدث به منذ سمعته ذكر هذه الآية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فأما السابق بالخيرات ، فيدخلها بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن ، فذلك قوله : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 164 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار