حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وهم لها سابقون ، فتلك الخيرات .
وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى : وهم إليها سابقون . وتأوله آخرون : وهم من أجلها
سابقون .
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله ابن عباس ، من أنه سبقت
لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات ، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها .
وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام لان ذلك أظهر معنييه ، وأنه لا حاجة بنا إذا
وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك ، إلى تحويل معنى اللام التي في قوله : وهم لها إلى غير
معناها الأغلب عليها . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ) * .
يقول تعالى ذكره : ولا نكلف نفسا إلا ما يسعها ويصلح لها من العبادة ولذلك
كلفناها ما كلفناها من معرفة وحدانية الله ، وشرعنا لها ما شرعنا من الشرائع . ولدينا كتاب
ينطق بالحق يقول : وعندنا كتاب أعمال الخلق بما عملوا من خير وشر ينطق بالحق
وهم لا يظلمون يقول : يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا ، لا زيادة عليه ولا
نقصان ، ونحن موفو جميعهم أجورهم ، المحسن منهم بإحسانه والمسئ بإساءته . وهم
لا يظلمون يقول : وهم لا يظلمون ، بأن يزاد على سيئات المسئ منهم ما لم يعمله
فيعاقب على غير جرمه ، وينقص المحسن عما عمل من إحسانه فينقص عما له من الثواب .
القول في تأويل قوله تعالى : * ( بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) * .
يقول تعالى ذكره : ما الامر كما يحسب هؤلاء المشركون ، من أن إمدادناهم بما
نمدهم به من مال وبنين ، بخير نسوقه بذلك إليهم والرضا منا عنهم ولكن قلوبهم في غمرة
عمى عن هذا القرآن . وعنى بالغمرة : ما غمر قلوبهم فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من
المواعظ والعبر والحجج . وعنى بقوله : من هذا من القرآن .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 46
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٦