تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه على مشركي قومه الذين قالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وجواب لهم عنه ، يقول لهم جل ثناؤه : وما أنكر يا محمد هؤلاء القائلون ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، من أكلك الطعام ومشيك في الأسواق ، وأنت لله رسول فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كالذي تأكل أنت وتمشي ، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة . فإن قال قائل : فإن من ليست في التلاوة ، فكيف قلت معنى الكلام : إلا من إنهم ليأكلون الطعام ؟ قيل : قلنا في ذلك معناه : أن الهاء والميم في قوله : إنهم ، كناية أسماء لم تذكر ، ولا بد لها من أن تعود على من كني عنه بها ، وإنما ترك ذكر من وإظهاره في الكلام اكتفاء بدلالة قوله : من المرسلين عليه ، كما اكتفي في قوله : وما منا إلا له مقام معلوم من إظهار من ، ولا شك أن معنى ذلك : وما منا إلا من له مقام معلوم ، كما قيل : وإن منكم إلا واردها ومعناه : وإن منكم إلا من هو واردها فقوله : إنهم ليأكلون الطعام صلة ل من المتروك ، كما يقال في الكلام : ما أرسلت إليك من الناس إلا من إنه ليبلغك الرسالة ، فإنه ليبلغك الرسالة صلة لمن . وقوله : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة يقول تعالى ذكره : وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض ، جعلنا هذا نبيا وخصصناه بالرسالة ، وهذا ملكا وخصصناه بالدنيا ، وهذا فقيرا وحرمناه الدنيا ، لنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني ، والملك بصبره على ما أعطيه الرسول من الكرامة ، وكيف رضي كل انسان منهم بما أعطى وقسم له ، وطاعته ربه مع ما حرم مما أعطى غيره . يقول : فمن أجل ذلك لم أعط محمدا الدنيا ، وجعلته يطلب المعاش في الأسواق ، ولأبتليكم أيها الناس ، وأختبر طاعتكم ربكم وإجابتكم رسوله إلى ما دعاكم إليه ، بغير عرض من الدنيا ترجونه من محمد أن يعطيكم على اتباعكم إياه لأني لو أعطيته الدنيا ، لسارع كثير منكم إلى اتباعه طمعا في دنياه أن ينال منها . وبنحو الذي قلنا تأويل في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :