والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ : درى بضم داله
وترك همزه ، على النسبة إلى الدر ، لان أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا . وقد ذكرنا أقوالهم ف
ي ذلك قبل ، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحتها بغيره . فتأويل الكلام :
الزجاجة : وهي صدر المؤمن ، كأنها : يعني كأن الزجاجة ، وذلك مثل لصدر المؤمن ،
كوكب : يقول : في صفائها وضيائها وحسنها . وإنما يصف صدره بالنقاء من كل ريب
وشك في أسباب الايمان بالله وبعده من دنس المعاصي ، كالكوكب الذي يشبه الدر في
الصفاء والضياء والحسن .
واختلفوا أيضا في قراءة قوله : توقد من شجرة مباركة فقرأ ذلك بعض المكيين
والمدنيين وبعض البصريين : توقد من شجرة بالتاء ، وفتحها ، وتشديد القاف ، وفتح
الدال . وكأنهم وجهوا معنى ذلك إلى توقد المصباح من شجرة مباركة . وقرأه بعض عامة
قراء المدنيين : يوقد بالياء ، وتخفيف القاف ، ورفع الدال بمعنى : يوقد المصباح
موقده من شجرة ، ثم لم يسم فاعله . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : توقد بضم التاء
وتخفيف القاف ورفع الدال ، بمعنى : يوقد الزجاجة موقدها من شجرة مباركة لما لم
يسم فاعله ، فقيل توقد . وقرأه بعض أهل مكة : توقد بفتح التاء ، وتشديد القاف ، وضم
الدال بمعنى : تتوقد الزجاجة من شجرة ، ثم أسقطت إحدى التاءين اكتفاء بالباقية من
الذاهبة .
وهذه القراءات متقاربات المعاني وإن اختلفت الألفاظ بها وذلك أن الزجاجة إذا
وصفت بالتوقد أو بأنها توقد ، فمعلوم معنى ذلك ، فإن المراد به توقد فيها المصباح أو يوقد
فيها المصباح ، ولكن وجهوا الخبر إلى أن وصفها بذلك أقرب في الكلام منها وفهم
السامعين معناه والمراد منه . فإذا كان ذلك كذلك فبأي القراءات قرأ القارئ فمصيب ، غير
أن أعجب القراءات إلي أن أقرأ بها في ذلك : توقد بفتح التاء ، وتشديد القاف ، وفتح
الدال ، بمعنى : وصف المصباح بالتوقد لان التوقد والاتقاد لا شك أنهما من صفته ، دون
الزجاجة . فمعنى الكلام إذن : كمشكاة فيها مصباح ، المصباح من دهن شجرة مباركة ،
زيتونة ، لا شرقية ولا غربية .
وقد ذكرنا بعض ما روي عن بعضهم من الاختلاف في ذلك فيما قد مضى ، ونذكر
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 188
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٨٨