وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية لأنه لا وجه لان يقال : لا يزالون في مرية منه
حتى تأتيهم الساعة بغتة ، أو تأتيهم الساعة وذلك أن الساعة هي يوم القيامة ، فإن كان اليوم
العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف
الألفاظ ، وذلك ما لا معنى له . فإذ كان ذلك كذلك ، فأولى التأويلين به أصحهما معنى
وأشبههما بالمعروف في الخطاب ، وهو ما ذكرناه من معناه .
فتأويل الكلام إذن : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ، حتى تأتيهم الساعة بغتة
فيصيروا إلى العذاب الدائم ، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له فلا ينظر وا فيه إلى الليل ولا
يؤخروا فيه إلى المساء ، لكنهم يقتلون قبل المساء . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في
جنات النعيم ئ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب
مهين ) * .
يقول تعالى ذكره : السلطان والملك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا
ينازعه يومئذ منازع وقد كان في الدنيا ملوك يدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا
سواه . يحكم بينهم يقول : يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين . فالذين آمنوا
بهذا القرآن ، وبمن أنزله ، ومن جاء به ، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه
في جنات النعيم يومئذ . والذين كفروا بالله ورسوله ، وكذبوا بآيات كتابه
وتنزيله ، وقالوا : ليس ذلك من عند الله ، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون
فأولئك لهم عذاب مهين يقول : فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب
مهين ، يعني عذاب مذل في جهنم . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا
حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ) * .
يقول تعالى ذكره : والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته
وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك ، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 254
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٥٤