كحبة الماء بين الطي والشيد
فالمشيد : إنما هو مفعول من الشيد ومنه قول امرئ القيس :
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة * ولا أطما إلا مشيدا بجندل
يعني بذلك : إلا بالبناء بالشيد والجندل . وقد يجوز أن يكون معنيا بالمشيد : المرفوع
بناؤه بالشيد ، فيكون الذين قالوا : عني بالمشيد الطويل نحوا بذلك إلى هذا التأويل ومنه
قول عدي بن زيد :
شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور
وقد تأوله بعض أهل العلم بلغات العرب بمعنى المزين بالشيد من شدته أشيده : إذا
زينته به ، وذلك شبيه بمعنى من قال مجصص . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها
لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) * .
يقول تعالى ذكره : أفلم يسيروا هؤلاء المكذبون بآيات الله والجاحدون قدرته في
البلاد ، فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذبي رسل الله الذين خلوا من قبلهم ، كعاد
وثمود وقوم لوط وشعيب ، وأوطانهم ومساكنهم ، فيتفكروا فيها ويعتبروا بها ويعلموا
بتدبرهم أمرها وأمر أهلها سنة الله فيمن كفر وعبد غيره وكذب رسله ، فينيبوا من عتوهم
وكفرهم ، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحق قلوب يعقلون بها
حجج الله على خلقه وقدرته على ما بينا ، أو آذان يسمعون بها يقول : أو آذان تصغي
لسماع الحق فتعي ذلك وتميز بينه وبين الباطل . وقوله : فإنها لا تعمى الابصار يقول :
فإنها لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الاشخاص ويروها ، بل يبصرون ذلك بأبصارهم
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 239
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٣٩