ابتداء الخطاب من الله كان لآدم عليه السلام ، فكان في إعلامه العقوبة على معصيته إياه ،
فيما نهاه عنه من أكل الشجرة ، الكفاية من ذكر المرأة ، إذ كان معلوما أن حكمها في ذلك
حكمه ، كما قال : عن اليمين وعن الشمال قعيد اجتزئ بمعرفة السامعين معناه ، من
ذكر فعل صاحبه . القول في تأويل قوله تعالى : *
( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى
فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) * .
يقول تعالى ذكره ، مخبرا عن قيله لآدم حين أسكنه الجنة : إن لك يا آدم أن
لا تجوع فيها ولا تعرى . وأن في قوله ألا تجوع فيها في موضع نصب بأن التي في
قوله : إن لك .
وقوله : وأنك لا تظمأ فيها اختلفت القراء في قراءتها ، فقرأ ذلك بعض قراء
المدينة والكوفة بالكسر : وإنك ، على العطف على قوله : إن لك . وقرأ ذلك بعض قراء
المدينة وعامة قراء الكوفة والبصرة : وأنك ، بفتح ألفها عطفا بها على أن التي في قوله :
أن لا تجوع فيها . ووجهوا تأويل ذلك إلى أن لك هذا وهذا فهذه القراءة أعجب
القراءتين إلي ، لان الله تبارك وتعالى ذكره وعد ذلك آدم حين أسكنه الجنة ، فكون ذلك بأن
يكون عطفا على أن لا تجوع أولى من أن يكون خبر مبتدأ ، وإن كان الآخر غير بعيد من
الصواب . وعنى بقوله : لا تظمأ فيها لا تعطش في الجنة ما دمت فيها ولا تضحى ،
يقول : لا تظهر للشمس فيؤذيك حرها ، كما قال ابن أبي ربيعة :
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخصر
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
18402 - حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن
عباس ، قوله : وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى يقول : لا يصيبك فيها عطش ولا حر .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 276
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٧٦