يقول تعالى ذكره : قال فرعون لموسى ، إذ وصف موسى ربه جل جلاله بما وصفه به
من عظيم السلطان ، وكثرة الانعام على خلقه والافضال : فما شأن الأمم الخالية من قبلنا لم
تقر بما تقول ، ولم تصدق بما تدعو إليه ، ولم تخلص له العبادة ، ولكنها عبدت الآلهة
والأوثان من دونه ، إن كان الامر على ما تصف من أن الأشياء كلها خلقه ، وأنها في نعمه
تتقلب ، وفي مننه تتصرف ؟ فأجابه موسى فقال : علم هذه الأمم التي مضت من قبلنا فيما
فعلت من ذلك ، عند ربي في كتاب : يعني في أم الكتاب ، لا علم لي بأمرها ، وما كان سبب
ضلال من ضل منهم فذهب عن دين الله لا يضل ربي يقول : لا يخطئ ربي في تدبيره
وأفعاله ، فإن كان عذب تلك القرون في عاجل ، وعجل هلاكها ، فالصواب ما فعل ، وإن
كان أخر عقابها إلى القيامة ، فالحق ما فعل ، هو أعلم بما يفعل ، لا يخطئ في فعله ولا
ينسى فيترك فعل ما فعله حكمة وصواب . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
18217 - حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن
عباس ، قوله : في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى يقول : لا يخطئ ربي ولا ينسى .
18218 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فما بال
القرون الأولى يقول فما أعمى القرون الأولى ، فوكلها نبي الله موكلا فقال : علمها عند
ربي . . . الآية يقول : أي أعمارها وآجالها .
وقال آخرون : معنى قوله لا يضل ربي ولا ينسى واحدا . ذكر من قال ذلك :
18219 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني
الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
لا يضل ربي ولا ينسى قال : هما شئ واحد .
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن
مجاهد ، مثله .
والعرب تقول : ضل فلان منزله : إذا أخطأه ، يضله بغير ألف ، وكذلك ذلك في كل ما
كان من شئ ثابت لا يبرح ، فأخطأه مريده ، فإنها تقول : أضله ، فأما إذا ضاع منه ما يزول
بنفسه من دابة وناقة وما أشبه ذلك من الحيوان الذي ينفلت منه فيذهب ، فإنها تقول : أضل
فلان بعيره أو شاته أو ناقته يضله بالألف . وقد بينا معنى النسيان فيما مضى قبل بما أغنى عن
إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : *
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 217
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢١٧