تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
يزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخرة التي كانت فيهم . فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى : أزيريني ابني . فوعدتها يوما تزيرها إياه فيه ، فقالت لخواصها وظؤورتها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك ، وأنا باعثة أمينة تحصي كل ما يصنع كل انسان منكم فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون . فلما دخل عليها نحلته وأكرمته ، وفرحت به ، وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه ، وقالت : انطلقن به إلى فرعون ، فلينحله ، وليكرمه . فلما دخلوا به عليه جعلته في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها ، فقال عدو من أعداء الله : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك ، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير ، بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به . فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الصبي الذي قد وهبته لي ؟ قال : ألا ترين يزعم أنه سيصرعني ويعلوني ، فقالت : اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين ، فقربهن إليه ، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل ، فقرب ذلك إليه ، فتناول الجمرتين ، فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده ، فقالت المرأة : ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما قد هم به ، وكان الله بالغا فيه أمره . فلما بلغ أشده ، وكان من الرجال ، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة ، حتى امتنعوا كل امتناع . فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة ، إذ هو برجلين يقتتلان ، أحدهما من بني إسرائيل ، والآخر من آل فرعون ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى واشتد غضبه ، لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل ، وحفظه لهم ، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى ، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي ، فقال موسى حين قتل الرجل : هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ثم قال : رب إني ظلمت نفسي