تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه الغلام ، فألقي عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من كل شئ إلا من ذكر موسى . فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت للذباحين : انصرفوا عني ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ، فآتي فرعون فأستوهبه إياه ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم ألمكم . فلما أتت به فرعون قالت : قرة عين لي ولك قال فرعون : يكون لك ، وأما أنا فلا حاجة لي فيه . فقال : والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت به ، لهداه الله به كما هدى به امرأته ، ولكن الله حرمه ذلك . فأرسلت إلى من حولها من كل أنثى لها لبن ، لتختار له ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فحزنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها ، فلم يقبل من أحد . وأصبحت أم موسى ، فقالت لأخته : قصيه واطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا ، أحي ابني ، أو قد أكلته دواب البحر وحيتانه ؟ ونسيت الذي كان الله وعدها ، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، فأخذوها وقالوا : وما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك ، وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه ، رغبتهم في ظؤورة الملك ، ورجاء منفعته ، فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر ، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه ، فانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا ، فأرسلت إليها ، فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحب حبه شيئا قط قال : فقالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي ، فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه ، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون ، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده ، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها ، فأنبته الله نباتا حسنا ، وحفظه لما قضى فيه ، فلم
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 207 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار