ثم رجعوا فأخبر الطليعة ملكهم بما رأى ، وجعل بختنصر يقول لفوارس الملك : لو دعاني
الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان فرفع ذلك إليه ، فدعاه فأخبره الخبر وقال : إن فلانا لما
رأى أكثر أرض الله فرسا ورجلا جلدا ، كبر ذلك في روعه ولم يسألهم عن شئ ، وإني
لم أدع مجلسا بالشام إلا جالست أهله ، فقلت لهم كذا وكذا ، وقالوا لي كذا وكذا ، الذي
ذكر سعيد بن جبير أنه قال لهم ، قال الطليعة لبختنصر : إنك صحبتي لك مئة ألف
وتنزع عما قلت ، قال : لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعت ، ضرب الدهر من ضربه
فقال الملك : لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام ، فإن وجدوا مساغا ساغوا ، وإلا انثنوا ما قدروا
عليه ، قالوا : ما ضرك لو فعلت ؟ قال : فمن ترون ؟ قالوا : فلان ، قال : بل الرجل الذي
أخبرني ما أخبرني ، فدعا بختنصر وأرسله ، وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم ، فانطلقوا
فجاسوا خلال الديار ، فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا . ومات صيحون الملك
قالوا : استخلفوا رجلا ، قالوا : على رسلكم حتى تأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم ، لن
ينقضوا عليكم شيئا ، أمهلوا فأمهلوا حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه ، فقسمه في الناس ،
فقالوا : ما رأينا أحدا أحق بالملك من هذا ، فملكوه .
16659 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني
سليمان ابن بلال ، عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ظهر بختنصر
على الشام ، فخرب بيت المقدس وقتلهم ، ثم أتى دمشق ، فوجد بها دما يغلي على كبا : أي
كناسة ، فسألهم ما هذا الدم ؟ قالوا : أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر ،
قال : فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم ، فسكن .
وقال آخرون : يعني بذلك قوما من أهل فارس ، قالوا : ولم يكن في المرة الأولى
قتال . ذكر من قال ذلك :
16660 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن
أبي نجيح ، عن مجاهد فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد
فجاسوا خلال الديار قال : من جاءهم من فارس يتجسسون أخبارهم ، ويسمعون
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 39
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٩