وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من أصحابه ، ولا عن الا بعين بإحالة
ذلك . فأما من جهة النظر ، فإن جميع من ينتحل الاسلام إنما اختلفوا في معنى ذلك على
أوجه ثلاثة : فقالت فرقة منهم : الله عز وجل بائن من خلقه كان قبل خلقه الأشياء ، ثم خلق
مماسا ، وجب أن يكون لها مباينا ، إذ لا فعال للأشياء إلا وهو مماس للأجسام أو مباين لها .
قالوا : فإذا كان ذلك كذلك ، وكان الله عز وجل فاعل الأشياء ، ولم يجز في قولهم : إنه
يوصف بأنه مماس للأشياء ، وجب بزعمهم أنه لها مباين ، فعلى مذهب هؤلاء سواء أقعد
محمدا صلى الله عليه وسلم على عرشه ، أو على الأرض إذ كان من قولهم إن بينونته من عرشه ، وبينونته من
أرضه بمعنى واحد في أنه بائن منهما كليهما ، غير مماس لواحد منهما .
وقالت فرقة أخرى : كان الله تعالى ذكره قبل خلقه الأشياء ، لا شئ يماسه ، ولا شئ
يباينه ، ثم خلق الأشياء فأقامها بقدرته ، وهو كما لم يزل قبل الأشياء خلقه لا شئ يماسه
ولا شئ يباينه ، فعلى قول هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا على عرشه ، أو على أرضه ،
إذ كان سواء على قولهم عرشه وأرضه في أنه لا مماس ولا مباين لهذا ، كما أنه لا مماس ولا
مباين لهذه .
وقالت فرقة أخرى : كان الله عز ذكره قبل خلقه الأشياء لا شئ يماسه ، ولا شئ
يباينه ، ثم أحدث الأشياء وخلقها ، فخلق لنفسه عرشا استوى عليه جالسا ، وصار له مماسا ،
كما أنه قد كان قبل خلقه الأشياء لا شئ يرزقه رزقا ، ولا شئ يحرمه ذلك ، ثم خلق
الأشياء فرزق هذا وحرم هذا ، وأعطى هذا ، ومنع هذا ، قالوا : فكذلك كان قبل خلقه
الأشياء يماسه ولا يباينه ، وخلق الأشياء فماس العرش بجلوسه عليه دون سائر خلقه ، فهو
مماس ما شاء من خلقه ، ومباين ما شاء منه ، فعلى مذهب هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا
على عرشه ، أو أقعده على منبر من نور ، إذ كان من قولهم : قولهم : إن جلوس الرب على عرشه ،
ليس بجلوس يشغل جميع العرش ، ولا في إقعاد محمد صلى الله عليه وسلم موجبا له صفة الربوبية ، ولا
مخرجه من صفة العبودية لربه ، كما أن مباينة محمد صلى الله عليه وسلم ما كان مباينا له من الأشياء غير
موجبة له صفة الربوبية ، ولا مخرجته من صفة العبودية لربه من أجل أنه موصوف بأنه له
مباين ، كما أن الله عز وجل موصوف على قول قائل هذه المقالة بأنه مباين لها ، هو مباين
له . قالوا : فإذا كان معنى مباين ومباين لا يوجب لمحمد صلى الله عليه وسلم الخروج من صفة العبودة
والدخول في معنى الربوبية ، فكذلك لا يوجب له ذلك قعوده على عرش الرحمن ، فقد تبين
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 184
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٨٤