الجمع لأنه يقال : جاءت الريح من كل وجه ، وهبت من كل مكان ، فقيل لواقح لذلك ،
فيكون معنى جمعهم نعتها وهي في اللفظ واحدة معنى قولهم : أرض سباسب ، وأرض
أغفال ، وثوب أخلاق ، كما قال الشاعر :
جاء الشتاء وقميصي أخلاق * شراذم يضحك منه التواق
وكذلك تفعل العرب في كل شئ اتسع .
واختلف أهل العربية في وجه وصف الرياح باللقح وإنما هي ملقحة لا لاقحة ، وذلك
أنها تلقح السحاب والشجر ، وإنما توصف باللقح الملقوحة لا الملقح ، كما يقال : ناقة
لاقح . وكان بعض نحويي البصرة يقول : قيل : الرياح لواقح ، فجعلها على لاقح ، كأن
الرياح لقحت ، لان فيها خيرا فقد لقحت بخير . قال : وقال بعضهم : الرياح تلقح
السحاب ، فهذا يدل على ذلك المعنى لأنها إذا أنشأته وفيها خير وصل ذلك إليه . وكان
بعض نحويي الكوفة يقول : في ذلك معنيان : أحدهما أن يجعل الريح هي التي تلقح
بمرورها على التراب والماء فيكون فيها اللقاح ، فيقال : ريح لاقح ، كما يقال : ناقة لاقح ،
قال : ويشهد على ذلك أنه وصف ريح العذاب فقال : عليهم الريح العقيم فجعلها
عقيما إذا لم تلقح . قال : والوجه الآخر أن يكون وصفها باللقح وإن كانت تلقح ، كما قيل :
ليل نائم والنوم فيه وسر كاتم ، وكما قيل : المبروز والمختوم ، فجعل مبروزا ولم يقل مبرزا
بناه على غير فعله ، أي أن ذلك من صفاته ، فجاز مفعول لمفعل كما جاز فاعل لمفعول إذا
لم يرد البناء على الفعل ، كما قيل : ماء دافق .
والصواب من القول في ذلك عندي : أن الرياح لواقح كما وصفها به جل ثناؤه من
صفتها ، وإن كانت قد تلقح السحاب والأشجار ، فهي لاقحة ملقحة ، ولقحها : حملها
الماء ، وإلقاحها السحاب والشجر : عملها فيه ، وذلك كما قال عبد الله بن مسعود .
حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا المحاربي ، عن الأعمش ، عن المنهال بن
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 27
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٧