تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
والصواب من القول في ذلك عندي ، أن الله عني بها الذين وصفهم بقوله : وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم . . . الآية ، ثم قال جل ثناؤه : ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا عن رسول الله ولا لمن حولهم من الاعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه أن يتخلفوا خلافه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه . وذلك أن رسول الله ( ص ) كان ندب في غزوته تلك كل من أطاق النهوض معه إلى الشخوص إلا من أذن له أو أمره بالمقام بعده ، فلم يكن لمن قدر على الشخوص التخلف ، فعدد جل ثناؤه من تخلف منهم ، فأظهر نفاق من كان تخلفه منهم نفاقا وعذر من كان تخلفه لعذر ، وتاب على من كان تخلفه تفريطا من غير شك ولا ارتياب في أمر الله إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل . فأما التخلف عنه في حال استغنائه فلم يكن محظورا إذا لم يكن عن كراهته منه ( ص ) ذلك ، وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم ، فليس بفرض على جميعهم النهوض معه إلا في حال حاجته إليهم لما لا بد للاسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم فيلزمهم حينئذ طاعته . وإذا كان ذلك معنى الآية لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخة للأخرى ، إذ لم تكن إحداهما نافية حكم الأخرى من كل وجوهه ، ولا جاء خبر يوجه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى . وقد بينا معنى المخمصة وأنها المجاعة بشواهده ، وذكرنا الرواية عمن قال ذلك في موضع غير هذا ، فأغني ذلك عن إعادته ههنا . وأما النيل : فهو مصدر من قول القائل : نالني ينالني ، ونلت الشئ : فهو منيل ، وذلك إذا كنت تناله بيدك ، وليس من التناول ، وذلك أن التناول من النوال ، يقال منه : نلت له أنول له من العطية . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : النيل مصدر من قول القائل : نالني بخير ينولني نوالا ، وأنالني خيرا إنالة وقال : كأن النيل من الواو أبدلت ياء لخفتها وثقل الواو . وليس ذلك بمعروف في كلام العرب ، بل من شأن العرب أن تصحح الواو من ذوات الواو إذا سكنت وانفتح ما قبلها ، كقولهم : القول ، والعول ، والحول ، ولو جاز ما قال لجاز القيل . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) * .