إلى : فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين في الدنيا وأعذبه
أيضا في الآخرة ، إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من
دون الله .
وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك ، قول من قال بقول السدي : وهو أن الله
تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه ، وأن الخبر خبر عما مضى لعلتين : إحداهما : أن إذ
إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضي من الفعل ، وإن كانت قد
تدخلها أحيانا في موضع الخبر عما يحدث إذا عرف السامعون معناها وذلك غير فاش ولا
فصيح في كلامهم ، فتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل
أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر . والأخرى : أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من
الأنبياء أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه ، فيجوز أن يتوهم على عيسى أن يقول في
الآخرة مجيبا لربه تعالى : إن تعذب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك ، وإن
تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
فإن قال قائل : وما كان وجه سؤال الله عيسى : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين
من دون الله ، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك ؟ قيل : يحتمل ذلك وجهين من التأويل :
أحدهما : تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيه ، كما يقول القائل لآخر : أفعلت كذا وكذا ؟ مما
يعلم المقول له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له : أفعلته على وجه النهي عن فعله
والتهديد له فيه . والآخر : إعلامه أن قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده وبدلوا دينهم بعده ،
فيكون بذلك جامعا إعلامه حالهم بعده وتحذيره له قيله .
وأما تأويل الكلام : فإنه : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ، أي معبودين
تعبدونهما من دون الله ؟ قال عيسى : تنزيها لك يا رب وتعظيما أن أفعل ذلك أو أتكلم به ، ما
يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق يقول : ليس لي أن أقول ذلك لأني عبد مخلوق وأمي
أمة لك ، فهل يكون للعبد والأمة ادعاء ربوبية ؟ إن كنت قلته فقد علمته ، يقول : إنك لا
يخفى عليك شئ ، وأنت عالم أني لم أقل ذلك ولم آمرهم به .
القول في تأويل قوله تعالى : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام
الغيوب .
يقول تعالى ذكره مخبرا عن نبيه عيسى ( ص ) أنه يبرأ إليه مما قالت فيه وفي أمه الكفرة
من النصارى أن يكون دعاهم إليه أو أمرهم به ، فقال : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 185
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٨٥