والتابعين : هل تستطيع بالتاء ربك بالنصب ، بمعنى : هل تستطيع أن تسأل ربك ، وهل
تستطيع أن تدعو ربك أو هل تستطيع وترى أن تدعوه ؟ وقالوا : لم يكن الحواريون شاكين
أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك ، وإنما قالوا لعيسى : هل تستطيع أنت ذلك ؟
10117 - حدثنا ابن وكيع قال : ثنا محمد بن بشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن ابن
أبي مليكة ، قال : قالت عائشة : كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة ،
ولكن قالوا : يا عيسى ، هل تستطيع ربك ؟
10118 - حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا ابن
مهدي ، عن جابر بن يزيد بن رفاعة ، عن حيان بن مخارق ، عن سعيد بن جبير أنه قرأها
كذلك : هل تستطيع ربك وقال : تستطيع أن تسأل ربك ؟ وقال : ألا ترى أنهم مؤمنون ؟
وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والعراق : هل يستطيع بالياء ربك بمعنى : أن
ينزل علينا ربك ، كما يقول الرجل لصاحبه : أتستطيع أن تنهض معنا في كذا ؟ وهو يعلم أنه
يستطيع ، ولكنه إنما يريد : أتنهض معنا فيه ؟ وقد يجوز أن يكون مراد قارئه كذلك : هل
يستجيب لك ربك ويطيعك أن تنزل علينا ؟
وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك : هل يستطيع بالياء ربك
برفع الرب ، بمعنى : هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه ؟
وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله : إذ قال
الحواريون من صلة إذ أوحيت ، وأن معنى الكلام : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا
بي وبرسولي إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك . فبين إذ كان ذلك
كذلك ، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه ، وأمرهم بالتوبة
ومراجعة الايمان من قيلهم ذلك ، والاقرار لله بالقدرة على كل شئ ، وتصديق رسوله فيما
أخبرهم عن ربهم من الاخبار . وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاما منه لما
قالوا : اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ففي استتابة الله إياهم ، ودعائه لهم إلى الايمان به
وبرسوله ( ص ) عند قيلهم ما قالوا من ذلك ، واستعظام نبي الله ( ص ) كلمتهم ، الدلالة الكافية
من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الرب إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو
كانوا قالوا له : هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ؟ أن تستكبر هذا
الاستكبار .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 174
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٧٤