قالوا : فالتجارة عن تراض هو ما كان على بينه النبي ( ص ) من تخيير كل واحد من
المشترى والبائع في إمضاء البيع فيما يتبايعانه بينهما ، أو نقضه بعد عقد البيع بينهما وقبل
الافتراق ، أو ما تفرقا عنه بأبدانهما ، عن تراض منهما بعد مواجبة البيع فيه عن مجلسهما ،
فما كان بخلاف ذلك فليس من التجارة التي كانت بينهما عن تراض منهما .
وقال آخرون : بل التراضي في التجارة تواجب عقد البيع فيما تبايعه المتبايعان بينهما
عن رضا من كل واحد منهما ما ملك عليه صاحبه وملك صاحبه عليه ، افترقا عن مجلسهما
ذلك أو لم يفترقا ، تخايرا في المجلس أو لم يتخايرا فيه بعد عقده .
وعلة من قال هذه المقالة : أن البيع إنما هو بالقول ، كما أن النكاح بالقول ، ولا
خلاف بين أهل العلم في الاجبار في النكاح لاحد المتناكحين على صاحبه ، افترقا أو لم
يفترقا عن مجلسهما ، الذي جرى ذلك فيه قالوا : فكذلك حكم البيع . وتأولوا قول
النبي ( ص ) : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا على أنه ما لم يتفرقا بالقول . وممن قال هذه
المقالة مالك بن أنس ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ومحمد .
قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول من قال : إن التجارة التي
هي عن تراض بين المتبايعين : ما تفرق المتبايعان على المجلس الذي تواجبا فيه بينهما
عقدة البيع بأبدانهما ، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما ، وعن تخيير كل واحد
منهما صاحبه ، لصحة الخبر عن رسول الله ( ص ) بما :
حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أيوب ، وحدثنا
ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال
رسول الله ( ص ) : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار وربما قال : أو يقول
أحدهما للآخر اختر .
فإذ كان ذلك عن رسول الله ( ص ) صحيحا ، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه
اختر ، من أن يكون قبل عقد البيع ، أو معه ، أو بعده . فإن يكن قبله ، فذلك الخلف من
الكلام الذي لا معنى له ، لأنه لم يملك قبل عقد البيع أحد المتبايعين على
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 49
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٩