يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) * يعني : حجة يوم القيامة ، وذلك وعد من الله
المؤمنين أنه لن يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة ولا المؤمنين مدخل المنافقين ، فيكون
بذلك للكافرين على المؤمنين حجة ، بأن يقولوا لهم : أن ادخلوا مدخلهم ، ها أنتم كنتم في
الدنيا أعداءنا ، وكان المنافقون أولياءنا ، وقد اجتمعتم في النار فيجمع بينكم وبين أوليائنا ،
فأين الذين كنتم تزعمون أنكم تقاتلوننا من أجله في الدنيا ؟ فذلك هو السبيل الذي وعد الله
المؤمنين أن لا يجعلها عليهم للكافرين .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ،
قوله : * ( فإن كان لكم فتح من الله ) * قال : المنافقون يتربصون بالمسلمين ، فإن كان لكم فتح
قال : إن أصاب المسلمون من عدوهم غنيمة ، قال المنافقون : ألم نكن معكم ؟ قد كنا معكم
فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذون ! وإن كان للكافرين نصيب يصيبونه من المسلمين ، قال
المنافقون للكافرين : ألم نستحوذ عليكم ، ونمنعكم من المؤمنين ؟ قد كنا نثبطهم عنكم ! .
واختلف أهل التأويل في تأول قوله : * ( ألم نستحوذ عليكم ) * فقال بعضهم : معناه :
ألم نغلب عليكم . ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن
السدي في قوله : * ( ألم نستحوذ عليكم ) * قال : نغلب عليكم .
وقال آخرون : معنى ذلك : ألم نبين لكم أنا معكم على ما أنتم عليه . ذكر من قال
ذلك :
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : * ( ألم
نستحوذ عليكم ) * ألم نبين لكم أنا معكم على ما أنتم عليه .
قال أبو جعفر : وهذان القولان متقاربا المعنى ، وذلك أن من تأوله بمعنى : ألم نبين
لكم إنما أراد إن شاء الله ألم نغلب عليكم بما كان منا من البيان لكم أنا معكم . وأصل
الاستحواذ في كلام العرب فيما بلغنا الغلبة ، ومنه قول الله جل ثناؤه : * ( استحوذ عليهم
الشيطان فأنساهم ذكر الله ) * بمعنى غلب عليهم ، يقال منه : حاذ عليه ، واستحاذ يحيذ
ويستحيذ ، وأحاذ يحيذ . ومن لغة من قال حاذ ، قول العجاج في صفة ثور وكلب :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 446
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٤٦