تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه ، ولا معنى لتوجيه من وجه قوله : * ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) * إلى أنه وعد الامر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض ، أو بعض ما أمر به دون بعض . فإذ كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره ، إنما فعل ذلك لان معناه : كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام ، فإن في قوله جل ثناؤه إخبارا عن قيل الشيطان : * ( ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام ) * ما ينبئ أن معنى ذلك غير ما ذهب إليه ، لان تبتيك آذان الانعام من تغيير خلق الله ، الذي هو أجسام . وقد مضى الخبر عنه أنه وعد الامر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسرا ، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملا ، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر وبالخاص عن العام دون الترجمة عن المفسر بالمجمل ، وبالعام عن الخاص ، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام وأولى من توجيه إلى غيره ما وجد إليه السبيل . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) * . وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن حال نصيب الشيطان المفروض من الذين شاقوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى ، يقول الله : ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله ، وخلاف أمره ، ويواليه فيتخذه وليا لنفسه ونصيرا دون الله ، * ( فقد خسر خسرانا مبينا ) * يقول : فقد هلك هلاكا ، وبخس نفسه حظها فأوبقها بخسا مبينا يبين عن عطبه وهلاكه ، لان الشيطان لا يملك له نصرا من الله إذا عاقبه على معصيته إياه في خلافه أمره ، بل يخذله عند حاجته إليه . وإنما حاله معه ما دام حيا ممهلا بالعقوبة ، كما وصفه الله جل ثناؤه بقوله : * ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) * يعني بذلك جل ثناؤه : يعد الشيطان المريد أولياءه ، الذين هم نصيبه المفروض أن يكون لهم نصيرا ممن أرادهم بسوء ، وظهيرا لهم عليه ، يمنعهم منه ويدافع عنهم ، ويمينهم الظفر على من حاول مكروههم والفلج عليهم . ثم قال : * ( وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) * يقول : وما يعد الشيطان أولياءه الذين اتخذوه وليا من دون الله إلا غرورا ، يعني : إلا باطلا . وإنما جعل عدته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم غرورا ، لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه وليا على حقيقته من عداته الكاذبة وأمانيه الباطلة ، حتى إذا حصحص الحق وصاروا إلى الحاجة إليه ، قال لهم عدو