تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
وبعض الكوفيين والبصريين : * ( فتبينوا ) * بالباء والنون من التبين ، بمعنى : التأني والنظر والكشف عنه حتى يتضح . وقرأ ذلك عظم قراء الكوفيين : فتثبتوا بمعنى التثبت الذي هو خلاف العجلة . والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة المسلمين بمعنى واحد وإن اختلفت بهما الألفاظ ، لان المتثبت متبين ، والمتبين متثبت ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك . واختلفت القراء في قراءة قوله : * ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ) * فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين والكوفيين السلم بغير ألف ، بمعنى الاستسلام ، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين : * ( السلام ) * بألف ، بمعنى التحية . والصواب من القراءة في ذلك عندنا : لمن ألقى إليكم السلم بمعنى : من استسلم لكم مذعنا لله بالتوحيد مقرا لكم بملتكم . وإنما اخترنا ذلك لاختلاف الرواية في ذلك ، فمن راو روى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال : إني مسلم ، ومن راو روى أنه قال : السلام عليكم ، فحياهم تحية الاسلام ، ومن راو روى أنه كان مسلما بإسلام قد تقدم منه قبل قتلهم إياه . وكل هذه المعاني يجمعها السلم ، لان المسلم مستسلم ، والمحيي بتحية الاسلام مستسلم ، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الاسلام ، فمعنى السلم جامع جميع المعاني التي رويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية ، وليس كذلك في السلام ، لان السلام لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية ، فلذلك وصفنا السلم بالصواب . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : * ( كذلك كنتم من قبل ) * فقال بعضهم : معناه : كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلام مستخفيا في قومه بدينه خوفا على نفسه منهم ، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم منهم ، فمن الله عليكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني عبد الله بن كثير ، عن سعيد بن جبير في قوله : * ( كذلك كنتم من قبل ) * تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير : * ( كذلك كنتم من قبل ) * تكتمون إيمانكم في المشركين .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 306 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار