تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
وقال آخرون : معنى ذلك : كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلم كافرا كنتم كفارا ، فهداه كما هداكم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : * ( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ) * كفارا مثله ، * ( فتبينوا ) * . وأولى هذين القولين بتأويل الآية القول الأول ، وهو قول من قال : كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمين بين أظهرهم ، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين ، مستخفيا بدينه منهم . وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب ، لان الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الايمان بعد إلقائه إليهم السلام ، ولم يقد به قاتلوه للبس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين ، وظنهم أنه ألقى السلام إلى المؤمنين تعوذا منهم ، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركا ، فيقال : كما كان كافرا كنتم كفارا ، بل لا وجه لذلك ، لان الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدا من خلقه على قتل محارب لله ولرسوله من أهل الشرك بعد إذنه له بقتله . واختلف أيضا أهل التأويل في تأويل قوله : * ( فمن الله عليكم ) * فقال بعضهم : معنى ذلك : فمن الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله ، حتى أظهروا الاسلام بعد ما كانوا يكتمونه من أهل الشرك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثني أبي ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير : * ( فمن الله عليكم ) * فأظهر الاسلام . وقال آخرون : معنى ذلك : فمن الله عليكم أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلام طلب عرض الحياة الدنيا بالتوبة من قتلكم إياه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : * ( فمن الله عليكم ) * يقول : تاب الله عليكم . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير ، لما ذكرنا من الدلالة على أن معنى قوله : * ( كذلك كنتم من قبل ) * ما وصفنا قبل ، فالواجب أن يكون عقيب ذلك : * ( فمن الله عليكم ) * فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم بإظهار دينه