تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
حصينة ، فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها . وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله ( ص ) ، يرى رأي رسول الله ( ص ) في ذلك أن لا يخرج إليهم . وكان رسول الله ( ص ) يكره الخروج من المدينة ، فقال رجال من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضروه : يا رسول الله ، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا ! فقال عبد الله بن أبي ابن سلول : يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا قط إلا أصبنا منه ! فدعهم يا رسول الله ، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا . فلم يزل الناس برسول الله ( ص ) الذي كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله ( ص ) ، فلبس لامته . فكانت تبوئة رسول الله ( ص ) المؤمنين مقاعد للقتال ، ما ذكرنا من مشورته على أصحابه بالرأي الذي ذكرنا على ما وصفه الذين حكينا قولهم ، يقال منه : بوأت القوم منزلا وبوأته لهم فأنا أبوءهم المنزل تبوئة ، وأبوء لهم منزلا تبوءه . وقد ذكر أن في قراءة عبد الله بن مسعود : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال وذلك جائز ، كما يقال : ردفك وردف لك ، ونقدت لها صداقها ونقدتها ، كما قال الشاعر : أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل والكلام : أستغفر الله لذنب . وقد حكي عن العرب سماعا : أبأت القوم منزلا فأنا أبيئهم إباءة ، ويقال منه : أبأت الإبل : إذا رددتها إلى المباءة ، والمباءة : المراح الذي تبيت فيه ، والمقاعد : جمع مقعد وهو المجلس . فتأويل الكلام : واذكر إذ غدوت يا محمد من أهلك تتخذ للمؤمنين معسكرا وموضعا لقتال عدوهم . وقوله : * ( والله سميع عليم ) * يعني بذلك تعالى ذكره : والله سميع لما يقول المؤمنون لك ، فيما شاورتهم فيه من موضع لقائك ولقائهم عدوك وعدوهم من قول من قال : اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم خارج المدينة ، وقول
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 95 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار