تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
بشرائعه ، * ( وتنهون عن المنكر ) * يعني : وتنهون عن الشرك بالله ، وتكذيب رسوله ، وعن العمل بما نهى عنه . كما : حدثنا علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) * يقول : تأمرونهم بالمعروف أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، والاقرار بما أنزل الله ، وتقاتلونهم عليه ، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف ، وتنهونهم عن المنكر والمنكر : هو التكذيب ، وهو أنكر المنكر . وأصل المعروف : كل ما كان معروفا ففعله جميل مستحسن غير مستقبح في أهل الايمان بالله . وإنما سميت طاعة الله معروفا ، لأنه مما يعرفه أهل الايمان ولا يستنكرون فعله . وأصل المنكر ما أنكره الله ، ورأوه قبيحا فعله ، ولذلك سميت معصية الله منكرا ، لان أهل الايمان بالله يستنكرون فعلها ، ويستعظمون ركوبها . وقوله : * ( وتؤمنون بالله ) * يعني : تصدقون بالله ، فتخلصون له التوحيد والعبادة . فإن سأل سائل فقال : وكيف قيل : * ( كنتم خير أمة ) * وقد زعمت أن تأويل الآية أن هذه الأمة خير الأمم التي مضت ، وإنما يقال : كنتم خير أمة ، لقوم كانوا خيارا فتغيروا عما كانوا عليه ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه ، وإنما معناه : أنتم خير أمة ، كما قيل : * ( واذكروا إذ أنتم قليل ) * وقد قال في موضع آخر : * ( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) * فإدخال كان في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد ، لان الكلام معروف معناه . ولو قال أيضا في ذلك قائل : كنتم بمعنى التمام ، كان تأويله : خلقتم خير أمة ، أو وجدتم خير أمة ، كان معنى صحيحا ، وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك : كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ أخرجت للناس ، والقولان الأولان اللذان قلنا ، أشبه بمعنى الخبر الذي رويناه قبل . وقال آخرون معنى ذلك : كنتم خير أهل طريقة ، وقال : الأمة : الطريقة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) * . يعني بذلك تعالى ذكره : ولو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى