* ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله
عذاب مهين ) * .
يعني بذلك جل ثناؤه : * ( ومن يعص الله ورسوله ) * في العمل بما أمراه به من قسمة
المواريث على ما أمراه بقسمة ذلك بينهم وغير ذلك من فرائض الله مخالفا أمرهما إلى ما
نهياه عنه ، * ( ويتعد حدوده ) * يقول : ويتجاوز فصول طاعته التي جعلها تعالى فاصلة بينها
وبين معصيته إلى ما نهاه عنه من قسمة تركات موتاهم بين ورثته ، وغير ذلك من حدوده .
* ( يدخله نارا خالدا فيها ) * يقول : باقيا فيها أبدا لا يموت ولا يخرج منها أبدا . * ( وله عذاب
مهين ) * يعني : وله عذاب مذل من عذب به مخز له .
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ،
عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ) * . . . الآية
في شأن المواريث التي ذكر قبل . قال ابن جريج : ومن يعص الله ورسوله ، قال : من أصاب
من الذنوب ما يعذب الله عليه .
فإن قال قائل : أو يخلد في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث ؟ قيل :
نعم ، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في
هاتين الآيتين ، أو علم ذلك ، فحاد الله ورسوله في أمرهما على ما ذكر ابن عباس من قول
من قال حين نزل على رسول الله ( ص ) قول الله تبارك وتعالى : * ( يوصيكم الله في أولادكم
للذكر مثل حظ الأنثيين ) * . . . إلى تمام الآيتين : أيورث من لا يركب الفرس ، ولا يقاتل
العدو ، ولا يحوز الغنيمة نصف المال أو جميع المال ؟ استنكارا منهم قسمة الله ما قسم
لصغار ولد الميت ونسائه وإناث ولده ، ممن خالف قسمة الله ما قسم من ميراث أهل
الميراث بينهم ، على ما قسمه في كتابه ، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله ، استنكارا
منه حكمهما ، كما استنكره الذين ذكر أمرهم ابن عباس ممن كان بين أظهر أصحاب
رسول الله ( ص ) من المنافقين الذين فيهم نزلت وفي أشكالهم هذه الآية ، فهو من أهل الخلود
في النار ، لأنه باستنكاره حكم الله في تلك يصير بالله كافرا ومن ملة الاسلام خارجا . القول
في تأويل قوله تعالى :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 386
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٨٦