ورحمتي ، ولأغفرنها لهم ، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، ثوابا ، يعني :
جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله ، من عند الله : يعني : من قبل الله لهم ، والله
عنده حسن الثواب ، يعني : أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه ، وذلك ما لا يبلغه
وصف واصف ، لأنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . كما :
حدثنا عبد الرحمن بن وهب ، قال : ثنا عمي عبد الله بن وهب ، قال : ثني
عمرو بن الحارث : أن أبا عشانة المعافري ، حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص
يقول : لقد سمعت رسول الله ( ص ) ، يقول : إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين ،
الذين تتقى بهم المكاره ، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان
لم تقض حتى يموت وهي في صدره ، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة ، فتأتي بزخرفها
وزينتها ، فيقول : أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا ، وأوذوا في سبيلي ، وجاهدوا في
سبيلي ، ادخلوا الجنة ، فيدخلونها بغير عذاب ، ولا حساب ، وتأتي الملائكة فيسجدون
ويقولون : ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ، ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا ،
فيقول الرب جل ثناؤه : هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي ، وأوذوا في سبيلي ، فتدخل
الملائكة عليهم من كل باب : * ( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) *
واختلفت القراء في قراءة قوله : * ( وقاتلوا وقتلوا ) * فقرأه بعضهم : وقتلوا وقتلوا
بالتخفيف ، بمعنى أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين وقرأ ذلك آخرون : وقاتلوا وقتلوا
بتشديد قتلوا ، بمعنى : أنهم قاتلوا المشركين ، وقتلهم المشركون بعضا بعد بعض وقتلا بعد
قتل . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين : وقاتلوا وقتلوا بالتخفيف ، بمعنى
أنهم قاتلوا المشركين وقتلوا . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : * ( وقتلوا ) * والقراءة بالتخفيف
* ( وقاتلوا ) * بمعنى : أن بعضهم قتل ، وقاتل من بقي منهم
التي لا أستجيز أن أعدوها إحدى هاتين القراءتين ، وهي : وقاتلوا وقتلوا
بالتخفيف ، أو * ( وقتلوا ) * بالتخفيف * ( وقاتلوا ) * لأنها القراءة المنقولة نقل وراثة ، وما
عداهما فشاذ . وبأي هاتين القراءتين التي ذكرت أني لا أستجيز أن أعدوهما قرأ قارئ
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 286
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٨٦