تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
لذات الدنيا وشهواتها ، وما فيها من زينتها وزخارفها ، إلا متاع الغرور ، يقول : إلا متعة يمتعكموها الغرور والخداع المضمحل ، الذي لا حقيقة له عند الامتحان ، ولا صحة له عند الاختبار ، فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم ، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره ، يقول تعالى ذكره : لا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها ، فإنما أنتم منها في غرور تمتعون ، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون . وقد روي في تأويل ذلك ما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن بكير بن الأخنس ، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله : * ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) * قال : كزاد الراعي ، تزوده الكف من التمر ، أو الشئ من الدقيق ، أو الشئ يشرب عليه اللبن . فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا إلى أن معنى الآية : وما الحياة الدنيا إلا متاع قليل ، لا يبلغ من تمتعه ولا يكفيه لسفره . وهذا التأويل وإن كان وجها من وجوه التأويل ، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا ، لان الغرور إنما هو الخداع في كلام العرب ، وإذ كان كذلك فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة ، لان الشئ قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور ، وأما الذي هو في غرور فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور . والغرور مصدر من قول القائل : غرني فلان ، فهو يغرني غرورا بضم الغين ، وأما إذا فتحت الغين من الغرور فهو صفة للشيطان الغرور الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته . وقد : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبدة وعبد الرحيم ، قالا : ثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ( ص ) : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، واقرأوا إن شئتم * ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) * القول في تأويل قوله تعالى : * ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا