وقال آخرون منهم : قول القائل : زيد قائم حقا ، بمعنى : أقول زيد قائم حقا ، لان كل
كلام قول ، فأدى المقول عن القول ، ثم خرج ما بعده منه ، كما تقول : أقول قولا حقا ،
وكذلك ظنا ويقينا ، وكذلك وعد الله ، وما أشبهه .
والصواب من القول في ذلك عندي ، أن كل ذلك منصوب على المصدر من معنى
الكلام الذي قبله ، لان في كل ما قبل المصادر التي هي مخالفة ألفاظها ألفاظ ما قبلها من
الكلام معاني ألفاظ المصادر وإن خالفها في اللفظ فنصبها من معاني ما قبلها دون ألفاظه .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه :
ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي
الشاكرين .
يعني بذلك جل ثناؤه : من يرد منكم أيها المؤمنون بعمله جزاء منه بعض أعراض
الدنيا دون ما عند الله من الكرامة ، لمن ابتغى بعمله ما عنده * ( نؤته منها ) * يقول : نعطه منها ،
يعني : من الدنيا ، يعني : أنه يعطيه منها ما قسم له فيها من رزق أيام حياته ، ثم لا نصيب له
في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه ، وطلب ما عنده في الآخرة . * ( ومن يرد ثواب الآخرة ) *
يقول : ومن يرد منكم بعمله جزاء منه ثواب الآخرة ، يعني ما عند الله من كرامته التي أعدها
للعاملين له في الآخرة ، * ( نؤته منها ) * يقول : نعطه منها ، يعني من الآخرة ، والمعنى : من
كرامة الله التي خص بها أهل طاعته في الآخرة . فخرج الكلام على الدنيا والآخرة ، والمعنى
ما فيهما . كما :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : * ( ومن يرد ثواب الدنيا
نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) * : أي فمن كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في
الآخرة ، نؤته ما قسم له منها من رزق ، ولاحظ له في الآخرة ، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته
منها ما وعده مع ما يجرى عليه من رزقه في دنياه .
وأما قوله : * ( وسنجزي الشاكرين ) * يقول : وسأثيب من شكر لي ما أوليته من إحساني
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 154
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٥٤