تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
فإن إحياء العظام لا شك في هذا الموضع إنما عنى به ردها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه ، وهو يحيا ، لا إعادة الروح التي كانت فارقتها عند الممات . والذي يدل على ذلك قوله : * ( ثم نكسوها لحما ) * ولا شك أن الروح إنما نفخت في العظام التي أنشرت بعد أن كسيت اللحم . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان معنى الأنشاز تركيب العظام وردها إلى أماكنها من الجسد ، وكان ذلك معنى الانشار ، وكان معلوما استواء معنييهما ، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه ، ففي ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه . وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي ، وهي قراءة من قرأ : كيف ننشرها بفتح النون وبالراء ، لشذوذها عن قراءة المسلمين وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ثم نكسوها لحما ) * يعني تعالى ذكره بذلك : * ( ثم نكسوها ) * أي العظام لحما . والهاء التي في قوله : * ( ثم نكسوها لحما ) * من ذكر العظام . ومعنى نكسوها : نلبسها ونواريها به كما يواري جسد الانسان كسوته التي يلبسها ، وكذلك تفعل العرب ، تجعل كل شئ غطى شيئا وواراه لباسا له وكسوة ، ومنه قول النابغة الجعدي : فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي * حتى اكتسيت من الاسلام سربالا فجعل الاسلام إذ غطى الذي كان عليه فواراه وأذهبه كسوة له وسربالا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير ) * . يعني تعالى ذكره بقوله : * ( فلما تبين له ) * فلما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا من قدرة الله وعظمته عنده قبل عيانه ذلك ، قال : أعلم الآن بعد المعاينة والاتضاح والبيان أن الله على كل شئ قدير .