تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب ، لان الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت ، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت في سياق واحد . وإنما قلنا : معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا في كفرهم من المعاصي ، لأنه جل ثناؤه قال : * ( لن تقبل توبتهم ) * فكان معلوما أن معنى قوله : * ( لن تقبل توبتهم ) * إنما هو معني به : لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم ، لا من كفرهم ، لان الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده ، فقال : * ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) * فمحال أن يقول عز وجل أقبل ، ولا أقبل في شئ واحد . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان من حكم الله في عباده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب ، وكان الكفر بعد الايمان أحد تلك الذنوب التي وعد قبول التوبة منها بقوله : * ( إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) * علم أن المعنى الذي لا تقبل التوبة منه ، غير المعنى الذي تقبل التوبة منه . وإذ كان ذلك كذلك ، فالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد على الكفر بعد الكفر ، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره ، لان الله لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله ، فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلح ، فإن الله كما وصف به نفسه ، غفور رحيم . فإن قال قائل : وما ينكر أن يكون معنى ذلك ، كما قال من قال : فلن تقبل توبتهم من كفرهم عند حضور أجله ، أو توبته الأولى ؟ قيل : أنكرنا ذلك لان التوبة من العبد غير كائنة إلا في حال حياته ، فأما بعد مماته فلا توبة ، وقد وعد الله عز وجل عباده قبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، ولا خلاف بين جميع الحجة في أن كافرا لو أسلم قبل خروج نفسه بطرفة عين أن حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه والموارثة ، وسائر الأحكام غيرها ، فكان معلوما بذلك أن توبته في تلك الحال لو كانت غير مقبولة ، لم ينتقل حكمه من حكم الكفار إلى حكم أهل الاسلام ، ولا منزلة بين الموت والحياة يجوز أن يقال لا يقبل الله فيها توبة الكافر ، فإذا صح أنها في حال حياته مقبولة ، ولا سبيل بعد الممات إليها ، بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الاجل . وأما قول من زعم أن معنى ذلك التوبة التي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له ، لان الله عز وجل لم يوصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر ، ثم كفر بعد إيمان ، بل إنما