تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
عقله عن احتماله ، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط ، فهو ترك منه لما أمر بفعله ، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به ، وهو النسيان الذي عاقب الله عز وجل به آدم صلوات الله عليه ، فأخرجه من الجنة ، فقال في ذلك : * ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ) * وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه : * ( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ) * فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقوله : * ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) * فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا ، كفرا بالله عز وجل ، فإن ذلك إذا كان كفرا بالله فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة ، لان الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به ، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ ، وإنما يكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه ، وعن قراءته ، ومثل نسيانه صلاة أو صياما ، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما . وأما الذي العبد به غير مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه ، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته ، فإن ذلك من العبد غير معصية ، وهو به غير آثم ، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له ، لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب ، وذلك مثل الامر يغلب عليه ، وهو حريص على تذكره وحفظه ، كالرجل يحرص على حفظ القرآن بجد منه ، فيقرؤه ، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه ، ولكن بعجز بنيته عن حفظه وقلة احتمال عقله ، ذكر ما أودع قلبه منه وما أشبه ذلك من النسيان ، فإن ذلك مما لا يجوز مسألة الرب مغفرته ، لأنه لا ذنب للعبد فيه ، فيغفر له باكتسابه . وكذلك للخطأ وجهان : أحدهما : من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة ، فذلك خطأ منه ، وهو به مأخوذ ، يقال منه : خطئ فلان وأخطأ فيما أتى من الفعل ، وأثم إذا أتى ما يتأثم فيه وركبه ، ومنه قول الشاعر : الناس يلحون الأمير إذا هم * خطئوا الصواب ولا يلام المرشد يعني : أخطأوا الصواب . وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه ، إلا ما كان من ذلك كفرا . والآخر منهما : ما كان عنه على وجه الجهل به والظن
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 211 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار